خامس رمضان… يوم الفتوحات وصناعة التاريخ
لا يمرّ الخامس من شهر رمضان في سجلّ التاريخ الإسلامي مرورًا عابرًا، بل يطلّ محمّلًا بمحطات فارقة جسّدت معاني الجهاد، والبناء الحضاري، والمقاومة، لتغدو هذه الذكرى شاهدًا على أن رمضان لم يكن شهر عبادة فقط، بل موسمًا للتحولات الكبرى وصناعة التاريخ.
فتح الأندلس… عبور غير وجه التاريخ
في الخامس من رمضان سنة 92هـ (711م)، بدأ القائد موسى بن نصير عبور مضيق جبل طارق على رأس جيش قوامه نحو 18 ألف مقاتل، ليلتحق بقائده طارق بن زياد، ويضع بذلك اللبنات الأخيرة لتثبيت الفتح الإسلامي في شبه الجزيرة الأيبيرية، كان هذا العبور بداية مرحلة جديدة امتدت لقرون، شكّلت خلالها الأندلس واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية في مجالات العلم والفكر والعمارة والتعايش الثقافي.
القاهرة… من مدينة عسكرية إلى عاصمة خلافة
وفي الخامس من رمضان سنة 362هـ (973م)، دخل المعز لدين الله الفاطمي مدينة القاهرة، إيذانًا بتحولها من معسكر عسكري إلى عاصمة لخلافة كبرى امتد نفوذها في أرجاء واسعة من العالم الإسلامي، ومنذ تلك اللحظة، بدأت القاهرة ترسم ملامحها العمرانية والدينية، لتصبح لاحقًا مركزًا للعلم والثقافة، ومهدًا لتقاليد رمضانية لا تزال حاضرة في الوجدان المصري حتى اليوم.
اللد والرملة… جرح لا يندمل
وفي الخامس من رمضان سنة 1367هـ الموافق 11–12 يوليو 1948م، شهدت فلسطين واحدة من أبشع صفحات النكبة، حين اقتحمت قوات “الكوماندوز” الصهيونية بقيادة موشيه ديان مدينتي اللد والرملة، تحت قصف جوي ومدفعي كثيف، وأسفر الهجوم عن سقوط مئات الشهداء وتهجير عشرات الآلاف من المدنيين، في جريمة شكّلت علامة سوداء في تاريخ الاحتلال، ولا تزال آثارها حاضرة في الذاكرة الفلسطينية.
عمر المختار… رمضان المقاومة
وفي الخامس من رمضان سنة 1342هـ (أبريل 1924م)، خطّ المجاهد الليبي عمر المختار فصلًا جديدًا من ملحمة المقاومة ضد الاحتلال الإيطالي، خلال معركة “بئر الغبي”، جسّد شيخ المجاهدين، وهو صائم، معاني الصبر والثبات، مؤكدًا أن رمضان كان دومًا شهر العزيمة والانتصار، لا شهر الركون والضعف.
هكذا يثبت التاريخ أن الخامس من رمضان لم يكن يومًا عاديًا، بل موعدًا متجددًا مع الفتوحات، وبناء الدول، ومواجهة الاحتلال، إنه يوم يختزل روح رمضان الحقيقية: إيمانٌ يدفع إلى العمل، وصبرٌ يصنع النصر، وتاريخٌ كُتب بدماء المجاهدين وحكمة القادة، ليبقى شاهدًا على أن الأمة حين تجتمع إرادتها مع إيمانها، تصنع أعظم التحولات.
