صناع الحدث

محمد بنعيسى دبلوماسي الثقافة وصانع الحدث من أصيلة إلى العالم

في الذكرى الأولى لوفاة الراحل محمد بنعيسى، وزير الشؤون الخارجية والتعاون المغربي الأسبق، يستحضر المغرب والعالم العربي مسارا استثنائيا لرجل جمع بين الدبلوماسية والثقافة والسياسة، وجعل من القوة الناعمة أداة فعل وتأثير، ومن الثقافة جسرا للحوار بين الشعوب، ومن مدينة صغيرة على المحيط الأطلسي بوابةً إلى العالم.

ولد محمد بنعيسى بمدينة أصيلة شمال المغرب سنة 1937، المدينة التي ستتحول لاحقا بفضل رؤيته إلى عاصمة ثقافية عالمية، ومختبر حي لأفكاره حول التغيير الحضاري من بوابة الثقافة، تلقى تعليمه الجامعي في مصر، ما منحه صلة وجدانية وفكرية عميقة بالمشرق العربي، قبل أن يستكمل مساره الأكاديمي في الولايات المتحدة، حيث حصل على بكالوريوس في الاتصالات من جامعة مينيسوتا.

في بداياته المهنية، راكم بنعيسى تجربة غنية في مجالات الإعلام والعمل الثقافي، كما اشتغل داخل أروقة الأمم المتحدة في نيويورك وأديس أبابا، ثم في منظمة الفاو بروما، وهو ما أسهم في صقل شخصيته الفكرية، ومنحه رؤية كونية انعكست لاحقا على أدائه السياسي والدبلوماسي.

دخل محمد بنعيسى المعترك الدبلوماسي بثقة رجل مثقف يؤمن بالحوار الناعم وبأهمية الرمزية الثقافية في العلاقات الدولية، شغل منصب سفير المغرب في واشنطن، ثم تولى مناصب وزارية وازنة، من بينها وزير الثقافة والشباب والاتصال، قبل أن يُعين وزيرا للشؤون الخارجية والتعاون بين عامي 1999 و2007، حيث بصم على مرحلة مميزة في الدبلوماسية المغربية، اتسمت بالانفتاح، وتعزيز الحضور المغربي دوليا، والدفاع الهادئ والذكي عن القضايا الوطنية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية.

لم يكن بنعيسى دبلوماسيا تقليديا، بل مثقفا عضويا أدرك مبكرا أن الثقافة قوة استراتيجية لا تقل أهمية عن السياسة، ومن هذا الوعي، ولد مشروعه الأبرز، مهرجان أصيلة الثقافي الدولي، الذي أطلقه سنة 1978، وحول من خلاله بلدة صغيرة على الساحل الأطلسي إلى منصة عالمية للحوار الحضاري، وملتقى فكري وفني استقطب كبار المفكرين، والأدباء، والفنانين، والباحثين، ورجال الدولة من الشرق والغرب.

بفضل هذا المشروع، أصبحت أصيلة فضاء للأفكار الكبرى، ومنبرا للنقاشات السياسية والثقافية العميقة، وتجربة فريدة جعلت من الثقافة أداة دبلوماسية بامتياز، كما حصدت المدينة جوائز دولية مرموقة، أبرزها جائزة آغا خان للعمارة، وتحولت إلى نموذج عالمي في دمج الفن بالتحول الحضري والتنمية الاجتماعية المستدامة.

على الصعيد العربي، حظيت علاقة محمد بنعيسى بـمصر بمكانة خاصة، سواء على المستوى الرسمي أو الثقافي، فقد كان من أبرز الداعمين للتقارب المغربي–المصري، ومؤمنا بعمق الروابط التاريخية والحضارية بين البلدين، وشكلت القاهرة محطة أساسية في مساره الفكري، كما حرص على الحضور الدائم للمثقفين والمبدعين المصريين في موسم أصيلة، إيمانا منه بدور مصر المحوري في المشهد الثقافي العربي.

ولعل تكريمه في مصر قبل رحيله يعكس حجم التقدير الذي حظي به في الأوساط الثقافية والفكرية المصرية، باعتباره شخصية عربية استثنائية أسهمت في ترسيخ الحوار الثقافي العربي–العربي، ووسعت آفاق التواصل مع العالم.

دوليا، كان محمد بنعيسى اسما وازنا في المنتديات الكبرى، ووجها مغربيا يحظى بالاحترام، لما عرف عنه من اتزان، وعمق ثقافي، وقدرة نادرة على الجمع بين الصلابة في الدفاع عن المصالح الوطنية، والمرونة في إدارة العلاقات الدولية.

في الذكرى الأولى لرحيله، يتأكد أن محمد بنعيسى لم يكن مجرد وزير أو دبلوماسي، بل مشروعا فكريا وثقافيا متكاملا، آمن بأن الثقافة جسر للسلام، وأن الدبلوماسية رؤية إنسانية قبل أن تكون بيانات ومواقف، وسيظل اسمه مرتبطا بأصيلة، وبالدبلوماسية الثقافية المغربية، وبصناعة الحدث عربيا ودوليا، كأحد رجالات الدولة الذين لا يتكررون كثيرا في تاريخ الأمم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *