كتابنا

أين نذهب بأطفالنا؟

بقلم أحمد سمير المصري

في هدوء الليل، بينما ينام الجميع، يظل سؤال واحد يطارد آلاف العائلات.

عائلات قد تغفو قليلًا، لكنها لا تنام حقًا.

سؤال بسيط في كلماته، ثقيل في معناه:

أين نذهب بأطفالنا؟

هذا السؤال ليس تأملًا فلسفيًا، بل واقع يومي تعيشه أسر كثيرة مع طفل يعاني توحدًا شديدًا.

طفل قد لا ينام إلا ساعات قليلة، يبكي كثيرًا، يصرخ أحيانًا بلا سبب واضح، يكرر الكلمات، يخاف من الأصوات المفاجئة، ويحتاج رعاية يقظة طوال الوقت.

الأم منهكة.

الأب مستنزف.

والعالم من حولهم يمضي كأن شيئًا لا يحدث.

في مصر، وفي كثير من الدول العربية، يعيش آلاف من أطفال التوحد في مساحة ضائعة بين الوعي النظري والواقع الفعلي.

لا توجد منظومة متكاملة للرعاية طويلة الأمد، ولا خدمات كافية للتدخل المبكر، ولا دعم حقيقي ومستمر للأسر.

الطفل يكبر، لكن الدعم لا يكبر معه.

في البداية يسمع الأهل جملة مألوفة:

“هو فقط متأخر قليلًا”.

ثم يأتي اقتراح آخر:

“جربوا مركزًا متخصصًا”.

ومن هنا تبدأ رحلة طويلة، مرهقة ومكلفة وغامضة.

بعض (وحط خط تحت بعض) المختصين يعملون بضمير وعلم، وهذا حق يجب أن يقال.

لكن الحقيقة المؤلمة أيضًا أن جزءًا من هذا المجال تحول إلى تجارة وفهلوة بل وسبيل للشهرة علي منصات التواصل الاجتماعي .

جلسات باهظة، ووعود أكبر من الواقع، وأمل يتم بيعه للأسر المنهكة.

يدفع الأبوان كل ما يملكان، وأحيانًا ما لا يملكان.

ويظل السؤال حاضرًا:

هل سيتحسن؟

هل سيتكلم؟

هل يمكن أن يعيش يومًا حياة مستقلة؟

المشكلة أن المجتمع يتعامل مع التوحد وكأنه قضية أطفال فقط.

لكن الحقيقة التي يخشاها كثيرون أن يواجهوها هي أن أطفال التوحد يكبرون.

الطفل الصغير الذي كان يثير شفقة الناس يصبح شابًا قوي الجسد.

قد لا يتكلم، وقد لا يفهم المجتمع من حوله، وقد لا يفهمه المجتمع أيضًا.

وهنا يبدأ خوف جديد.

ماذا لو أصبح أقوى منا؟

ماذا لو انفجرت نوبة غضب لا نستطيع احتواءها؟

ماذا لو عجزنا عن السيطرة على سلوكه؟

أسئلة قاسية، لكنها جزء من الواقع اليومي لآلاف الأسر.

ثم يأتي السؤال الأكثر إيلامًا، السؤال الذي لا يجرؤ كثيرون على قوله بصوت مرتفع، لكنه يسكن قلب كل أب وأم لطفل يعاني توحدًا شديدًا: 

ماذا سيحدث له بعد رحيلنا؟

من سيرعاه؟

من سيتحمله؟

من سيصبر عليه؟

هل سيجد من يفهمه؟

أم سيعيش على هامش المجتمع، يخشاه الناس ويتجنبونه؟

هذه ليست أسئلة عاطفية فقط، بل أسئلة اجتماعية وسياسية واقتصادية أيضًا.

حتى في الدول المتقدمة تظل رعاية التوحد تحديًا صعبًا، لكن الفارق أن هناك منظومات دعم واضحة:

تشخيص مبكر،

برامج تدخل علمية،

تعليم مناسب،

خدمات مجتمعية،

وبرامج سكن وحياة للبالغين.

أما في كثير من بلداننا، فما زالت هذه المنظومة نادرة أو غير مكتملة.

المطلوب ليس مجرد تعاطف عابر في مناسبة سنوية.

المطلوب سياسات حقيقية:

تشخيص مبكر متاح في كل مكان.

خدمات تدخل مدعومة من الدولة.

تدريب علمي حقيقي للمختصين.

رقابة واضحة على المراكز الخاصة.

برامج حياة ورعاية للبالغين من ذوي التوحد.

ودعم نفسي واقتصادي للأسر.

من دون ذلك ستبقى العائلات وحدها في طريق صعب لا يعرف تفاصيله إلا من عاشه.

خلف كل طفل توحدي توجد عائلة تقاتل بصمت.

أم لا تعرف طعم النوم.

أب يخفي قلقه ودموعه.

وأخوة يكبرون قبل أوانهم.

التوحد ليس لغزًا طبيًا فقط، بل اختبار حقيقي لإنسانية المجتمع.

ويبقى السؤال مفتوحًا، بلا جواب واضح حتى الآن:

أين نذهب بأطفالنا؟

لكن القلب يهمس بالإجابة برجاء ويقين لا ينقطع:

ما ظنك بربك الكريم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *