كتابنا

المرأة ليست مناسبة سنوية… ولا يوم على تقويم العطل الرسمية 

بقلم: الأسير المحرر رائد نزار عبد الجليل

في كل عام، يقف العالم عند مناسبة تسمى International Women’s Day، حيث تتوالى الخطب والعبارات التي تمجد المرأة وتحتفي بدورها في الحياة والمجتمع. وللوهلة الأولى يبدو هذا اليوم تعبيرًا عن التقدير والاعتراف، غير أن التأمل العميق يكشف مفارقة جوهرية: هل تحتاج المرأة أصلًا إلى يوم خاص بها

قد يبدو تخصيص يوم عالمي للمرأة تعبيرًا عن الاحترام، لكنه في الوقت نفسه يوحي بأن حضور المرأة في الحياة ليس بديهيًا، بل حالة يجب تذكير المجتمع بها سنويًا. فالمرأة ليست كائنا مهددا بالانقراض حتى نخصص له يومًا عالميًا، وليست مجرد ذكرى نحتفي بها، ولا مأساة نستعيدها بخطب أو شعارات سنوية. المرأة هي نصف الحياة، وربما روحها الكاملة، وهي الأصل الذي تتشكل منه التجربة الإنسانية في أعمق معانيها.

المجتمعات التي تحتاج إلى يوم لتذكير نفسها بكرامة المرأة، هي مجتمعات لم تحسم بعد علاقتها الحقيقية بها. فالكرامة لا تختزل في مناسبة رمزية، والعدالة لا تتحقق بالاحتفالات، بل ببناء وعي إنساني يرى في المرأة شريكًا متساويا في الوجود، لا موضوعًا للاحتفاء الموسمي. ومن هذا السؤال تنطلق محاولة فهم البنية العميقة للوعي الذكوري الذي حكم علاقة الرجل بالمرأة عبر التاريخ، وهي البنية التي لا تزال تلقي بظلالها على واقعنا المعاصر.

المرأة وبنية الهيمنة الذكورية:

ليس من الممكن الحديث عن تحرر الإنسان أو عن نهضة المجتمعات دون التوقف أمام إحدى أعمق البُنى الاجتماعية: الهيمنة الذكورية. فهذه الهيمنة لا تتمثل فقط في قوانين أو أعراف ظاهرة، بل في منظومة عميقة من التصورات المترسبة في اللاوعي الجمعي، تشكلت عبر قرون من التقاليد والتأويلات الدينية والتاريخية، حتى أصبحت جزءًا من البنية النفسية للرجل والمرأة معًا.

إن المسألة ليست مجرد ظلم اجتماعي عابر، بل بنية معرفية وثقافية أعادت تعريف المرأة ومكانتها، وحولتها من شريك في صناعة المعنى والحياة إلى كائن محكوم بمنطق الوصاية. وفهم هذه المسألة يتطلب قراءة تتجاوز الحوادث الفردية لتصل إلى الجذور العميقة التي أنتجت هذا الواقع

من مركز القداسة إلى هامش التاريخ

إذا عدنا إلى البدايات الرمزية للوعي الإنساني نجد أن صورة المرأة لم تكن دائمًا مرتبطة بالدونية أو التبعية فالكثير من الأساطير القديمة وضعت المرأة في مركز الكون الرمزي بوصفها مصدر الخصب والحياةكانت الإلهة الأنثى في حضارات متعددة – تمثل الطاقة الكونية التي تمنح الوجود معناه واستمراره.

غير أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي رافقت نشوء السلطة المركزية والملكية الخاصة أسهمت في إعادة تشكيل هذا التوازن. ومع صعود النظام الأبوي، جرى إقصاء الرمزية الأنثوية من مركز المقدس، وتحولت المرأة تدريجيًا من رمز للخلق إلى موضوع للضبط والسيطرة. وهكذا لم يعد الصراع مجرد مسألة اجتماعية، بل أصبح تحولًا في البنية الرمزية للثقافة، حيث أُعيد تعريف السلطة والقداسة والمعرفة بلغة ذكورية.

الدين بين النص والتاريخ:

كثيرًا ما يُحمَّل الدين مسؤولية تهميش المرأة، لكن المشكلة لا تكمن دائمًا في النصوص المؤسسة بقدر ما تكمن في التاريخ الطويل لتأويلها.

النصوص الدينية الكبرى جاءت في كثير من جوانبها لتحد من قسوة البنى الاجتماعية القديمة، لكن مع مرور الزمن أعاد الفقهاء والمؤسسات الدينية إنتاج هذه النصوص ضمن سياقات يغلب عليها الطابع الذكوري، فتم توجيه التأويلات بما يحافظ على البنية الاجتماعية القائمة. وهنا تظهر المفارقة: بدل أن يكون الدين قوة تحرر أخلاقية، تحول أحيانًا – بفعل التأويل – إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة الاجتماعية

اللاوعي الذكوري: البنية الخفية للعنف

أخطر ما في الهيمنة الذكورية ليس القوانين أو الأعراف الظاهرة، بل اللاوعي الذي يصنعها ويبررها. فالإنسان لا يتصرف دائمًا وفق ما يعلنه من قيم، بل وفق ما ترسخ في أعماقه من تصورات عن العالم والآخرين.

هذا اللاوعي يرى في المرأة كائنًا يحتاج إلى الضبط والتوجيه. وعندما تحاول المرأة الخروج من الدور التقليدي، يظهر التوتر الذي قد يتحول إلى عنف مادي أو رمزي. العنف هنا ليس مجرد انفجار غضب فردي، بل آلية دفاعية لمنظومة تشعر بأن سلطتها مهددة.

مفارقة التاريخ: بين الماضي والحاضر

التاريخ الإنساني مليء بالقيود القاسية التي فرضت على المرأة، وصلت أحيانًا إلى حرمانها من أبسط حقوقها الإنسانية. وما زالت هذه القيود تظهر بصور مختلفة في مجتمعات تدّعي الحداثة والتقدم، مما يكشف أن التقدم التقني أو السياسي لا يعني بالضرورة تقدمًا في البنية الأخلاقية أو الوعي الاجتماعي.

نحو تحرير الوعي:

القضية ليست صراعًا بين الرجل والمرأة، ولا معركة أيديولوجية بين الذكورة والأنوثة، بل معركة وعي.

تحرير المرأة لا يعني إقصاء الرجل، كما أن الدفاع عن الرجل لا يعني استمرار الهيمنة. المطلوب إعادة التفكير في العلاقة بينهما بوصفها علاقة تكامل إنساني لا علاقة سيطرة.

المجتمع الذي يضع نصفه تحت الوصاية لا يستطيع أن يدّعي التقدم، والحضارة التي تفشل في حماية كرامة المرأة تظل ناقصة مهما بلغت من قوة وحداثة.

تحرير المرأة يبدأ من تحرير العقل نفسه: تحريره من الخوف، من الموروثات الجامدة، ومن السلطة غير المرئية التي يمارسها اللاوعي الذكوري على وعينا اليومي. فحين يتحرر الوعي، يصبح العدل ممكنًا، وحين يصبح العدل ممكنًا، يمكن للمجتمع أن يخطو خطوة حقيقية نحو إنسانيته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *