حرب خارج حدود السيطرة
بقلم: عبد الهادي مزراري
يصعب وضع اسم محدد للحرب، التي أعلنتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران في 28 فبراير الماضي، هل هي حرب إسرائيلية أمريكية إيرانية؟ أم حرب شرق أوسطية تتسع لتشمل أطرافا أخرى؟ أم ربما حرب عالمية كبرى في طور التشكل؟
بقدر ما يصعب تسمية هذه الحرب يصعب كذلك تحديد مآلاتها. ففي بداية إعلانها كانت الخطة المرسومة التي اتفق بشأنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تهدف الى تحقيق أمرين أساسيين:
– تغيير النظام في إيران بالقوة العسكرية، وقطع أوصاله في المنطقة.
– تحييد الخطر العسكري الإيراني وتدمير البرنامجين النووي والصاروخي.
حسب الجانب الإسرائيلي الأمريكي كانت الساعات الأولى من الحرب كافية لترسم مسارها بكل ثقة. لأن الصيد كان ثمينا، وهو رأس النظام في إيران، خاصة بعد تأكيد مقتل مرشد الثورة علي خاميني وكبار قادة الدولة والجيش، وإصابة مواقع عسكرية مهمة بضربات قوية.
وقتها أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن عمر الحرب يتراوح بين أسبوعين وثلاث أسابيع، وكانت الخطة تقضي بتكثيف الضربات الجوية، وتوسيع بنك الأهداف، وإرباك بقايا النظام، وإطلاق ثورة شعبية ضده حتى إسقاطه.
مفاجآت غير سارة
من جانبها تلقت إيران الضربات الأولى، وأقرت بمقتل قادة كبار من الصف الأول، ولكنها لم تتصرف كأنها بدون خطة عسكرية، فشرعت في الرد على الحرب الإسرائيلية الأمريكية بما يلي:
أولا، في ما يخص تغيير النظام، لم تؤد عملية اغتيال قادة الدولة الكبار وفي مقدمتهم المرشد الأعلى علي خاميني، إلى النتيجة المطلوبة. وبدل أن تستغل المعارضة الحادث وتثور ضد النظام في مسيرات ومظاهرات تساعدها الطائرات الأمريكية والإسرائيلية من الجو بقصف مراكز الأمن والمخابرات. لم يكن أي تأثير يذكر لهذه المعارضة ولا لتلك الضربات.
بعد انقضاء الأسابيع الثلاث الأولى، صرح الرئيس الأمريكي ترامب بأن “القوات الأمريكية قامت بما عليها فعله، وعلى الشعب الإيراني أن يتحرك لتغيير النظام بنفسه”.
جاء جواب النظام الإيراني بتعيين مجتبى خاميني مكان والده، ولم يكن لتلك الخلافة أن تحدث بهذه الطريقة وتلقى قبولها في الأوساط السياسية الإيرانية المضطربة لو لم توفر لها الحرب ذلك الظرف المثالي.
ثانيا، في ما يخص تدمير الترسانة الإيرانية من الصواريخ والبنيات التحتية للصناعات العسكرية والنووية، أظهرت إيران بالحفاظ على وثيرة قصفها بالصواريخ طيلة هذه المدة (36 يوما حتى كتابة هذه السطور) أنها في وضع لا يعكس حقيقة ما تعلنه القيادتين العسكريتين في إسرائيل والولايات المتحدة.
على عكس التوقعات السابقة، اتضح أن مخزون إيران من الصواريخ والطائرات المسيرة يفوق كل الحسابات نوعا وكما. واتضح أيضا أن الجانب الإيراني يستخدم ترسانته العسكرية باتباع أسلوب التدرج النوعي في الزمان والمكان.
بنك أهداف إيراني غير معلوم
مقابل الأهداف الإسرائيلية الأمريكية من الحرب كما تم إعلانها وتأكيدها، لم تتضح أهداف إيران من المواجهة العسكرية، باستثناء العنوان الأبرز، وهو “رد العدوان والدفاع عن البلاد”.
إذا كان الأمر كذلك، يبقى السؤال هو كيف تصد إيران الخطر عليها؟
منذ الساعة الأولى للحرب شرعت إيران في قصف إسرائيل ودول الخليج الست زائد الأردن، تحت ذريعة ضرب القواعد الأمريكية في المنطقة.
إن الرسالة العسكرية الإيرانية من ضرب دول المنطقة من اليوم الأول، هو رسم الحدود الجفرافية للحرب، بمعنى آخر إن الحرب، التي أعلنتها تل أبيب وواشنطن على طهران لن تستثني عواصم أخرى، والهدف من ذلك ليس عسكريا كما تدعي إيران وحسب بل اقتصاديا وسياسيا.
عسكريا، تسعى إيران تحييد مصادر الخطر في المنطقة من مطارات عسكرية أمريكية وأجنبية، وقواعد إطلاق الصواريخ، وردارات المراقبة والرصد والتوجيه. وتعرف هذه الأهداف بتقليص مناطق الهجوم وضرب الجبهات المتقدمة وتحييدها عسكريا.
اقتصاديا، بمجرد اندلاع الحرب وتبادل القصف تتحول المنطقة التي تعتبر شريان الطاقة في العالم إلى برميل من البارود، وهذا أحد الأهداف الأساسية بالنسبة لإيران لفرض سياسة الأمر الواقع على دول المنطقة والعالم على حد سواء.
تزداد خطورة الهدف الاقتصادي المكلف لكل دول العالم، كلما ارتفع سقف بنك الأهداف وأصبح تحت رحمة القاعدة التي تقول “ضربة بضربة مماثلة”.
سياسيا، تسعى إيران إلى جر مجموعة من الدول للشعور بالأذى الذي لحقها جراء الهجوم الإسرائيلي الأمريكي عليها فجر 28 فبراير الماضي.
كما تهدف إيران إلى إضعاف التأييد الإقليمي والدولي للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
بنك أهداف أمريكي إسرائيلي متطور
لم تنته الحرب في أسبوعها الثالث كما كان متوقعا، وهي الآن في شهرها الثاني، نظام إيران لم يسقط والصواريخ ما تزال تتساقط في مدن إسرائيل والدول المجاورة، والعداد الزمني ليس في صالح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأصوات المعارضين للحرب ترتفع في أمريكا واستقالات وإقالات في الجيش والإدارة معا.
في زخم التطورات يبحث الرئيس ترامب في صباح كل يوم عن انتصار جديد يعلنه وينهي به الحرب. لكن شبح إطالتها يلقى بظلاله على الرئيس أينما حل وارتحل وأسئلة الصحافيين تلاحقه “متى تنتهي الحرب؟”.
دون أجوبة واضحة يكرر ترامب قوله “لقد دمرنا إيران، سنعيدهم إلى العصر الحجري، يريدون التفاوض معنا، قتلناهم جميعا لم يعد هناك من سنتفاوض معه”.
يبدو ان الرئيس ترامب في وضع غير جيد والحرب التي تخوضها الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل ضد إيران، آخذة في تغيير أجندتها وتمضي في طريق البحث عن أهداف لم تكن موضوعة في الحسبان مثل:
– فتح معبر هرمز الذي كان مفتوحا قبل الحرب.
– احتلال جزيرة خارك وخنق إيران اقتصاديا.
– هجوم عسكري بري للاستيلاء على الاورانيوم عالي التخصيب ونقله خارج إيران.
– إدخال دول الخليج في الحرب وتوسيع رقعتها.
لم تلق هذه الأهداف استجابة واقعية، ليس لأنها مستحيلة على أقوى قوة عسكرية في العالم، ولكنها مكلفة ومحفوفة بالخاطر وتفرض على الجيش الأمريكي اللعب بكل أوراقه فيما إيران لم تكشف بعد عن خطتها وتتعامل بالدم البارد لثعبان قطع رأسه لكن رأسا جديدا يخلفه كما في الأساطير القديمة.
على مستوى معركة مضيق هرمز، لم تنجح واشنطن في تشكيل تحالف دولي يجعل حلف الناتو يدخل الحرب من باب المعبر الذي أغلق تقريبا كليا. وتلقى الرئيس ترامب ردودا مخيبة للأمال جعلت الولايات المتحدة تشعر بعزلة دولية. أضف إلى ذلك أن معركة مضيق هرمز ستفاقم الأزمة العالمية المتفاقمة أصلا.، وهو ما جعل الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون يرد على الطلب الأمريكي بالقول “سيتم فتح معبر هرمز بوسائل غير عسكرية”.
على مستوى احتلال جزيرة خارك، لم يكن هدفا عسكريا مدرجا على القائمة، ولكن أصبح أحد الأهداف التي تعتقد الولايات المتحدة أنه في حال السيطرة على الجزيرة التي تشكل شريان إيران فإن ذلك سيساعدها في الضغط على طهران وأجبارها على توقيع اتفاق مذل لها ينهي الحرب.
لكن النتائج غير مضمونة وستفرض على الولايات المتحدة المقامرة بحرب برية مفتوحة قد تطال المجال البحري للمنطقة برمتها وتصل باب المندب، فضلا عن تكلفتها بشريا وماديا.
على مستوى الإنزال العسكري البري للاستيلاء على 440 كلغ من اليورانيوم عالي التخصيب، بدوره لم يكن هدفا عسكريا مبرمجا، ولكن أعلنه الرئيس الأمريكي، أواخر مارس الماضي، في معرض خطته لإنهاء الجدل حول جذوى العملية العسكرية الأمريكية في إيران.
يبدو الهدف هليوديا نوعا ما، لأنه يحمل تناقضا صارخا مع معلومات تقول إن كمية اليورانيوم توجد تحت طبقات سحيقة من الركام في إحدى المنشآت النووية التي تم تدميرها بالكامل، فيما تتضمن معلومات أخرى استحالة معرفة المكان الذي يوجد فيه اليورانيوم الإيراني.
على مستوى توسيع رقعة الحرب وضم دول الخليج المستهدفة من قبل إيران إليها، لم يكن هذا الأمر ضمن خطة نتنياهو ترامب في البداية، ولكن بسبب تعقد الظروف العسكرية، بدأت إسرائيل، وهي الداعية لهذه الحرب، تفكر في جر دول خليجية إلى عين المطحنة.
يبدو هذا الأمر بعيد المنال عن نتنياهو في الوقت الحالي. ولكنه يأمل في تحقيقه، وقد عبر عنه صراحة بقوله “إذا طلب الرئيس ترامب من دول الخليج المشاركة في الحرب فستفعل ذلك”.
موقف “مثالي” لدول الخليج العربي
بإرادتها أو بدون إرادتها أصبحت البحرين والكويت والسعودية والإمارات وقطر وعمان والاردن وكذلك العراق رقعة مفتوحة للحرب بين إسرائبل وأمريكا من جهة وإيران من جهة ثانية.
تتلقى هذه الدول يوميا ضربات من إيران بالصواريخ وبالطائرات المسيرة، ورغم ذلك لا تريد أن تحشر نفسها في حرب تقول بلسان العرب “هذه حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل”.
من جانبها تدعي إيران أنها تستهدف فقط المصالح العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية الأمريكية والإسرائيلية، مقابل ذلك تشجب الدول الخليجية المستهدفة العدوان الإيراني على أراضيها، وتضعه بين هلالين، لأنه جاء في سياق حرب فرضت على المنطقة برمتها وليس على إيران وحسب.
جميع دول مجلس التعاون الخليجي عبرت عن رفضها للتصعيد وحذرت من اندلاع الحرب، سلطنة عمان استضافت المفاوضات بين أمريكا وإيران، قطر شجعت على التهدئة، السعودية ناهضت كل أشكال التصعيد من جميع الأطراف.
تقيم دول مجلس التعاون الخليجي الوضع بمنظار تحجيم الحرب في أقل الخسائر، وهو كل ما يمكن فعله ختى الآن.
إن هزيمة إيران وسقوط نظامها سيخلق وضعا غير مستقر وسيعطي إسرائيل اليد الطولى في المنطقة (فهي لا تخفي نزعتها التوسعية من النيل إلى الفرات، وترى في هذه الحرب مفتاحا حقيقيا لحلمها الأبدي).
كما أن انتصار إيران في هذه الحرب سيجعلها تموقع المنطقة بحسب مصالحها وتوجهاتها إلى أجل غير مسمى. وبالتالي فإن تدخل دول الخليج لن يجعلها في كل الأحوال إلا في وصع أسوأ، خاصة أن هذه الحرب تضع الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط على المحك بسبب ما تضمره الصين وروسيا لها من كمائن ظاهرة وخفية في مستنقع الشرق الأوسط.
نهاية غير متوقعة
ختاما لما تم عرضه من سياقات هذه الحرب واستحالة معرفة مآلاتها، يستبعد في الوقت الحالي التنبأ بنهايتها، فإسرائيل لم تحقق هدفها مادامت الصواريخ الإيرانية تتقاطر عليها، بينما نتنياهو مصمم للذهاب إلى أبعد الحدود وتدمير إيران ومحوها، ولو كلفه ذلك تدمير إسرائيل وإعادة بناءها من جديد.
بالنسبة للولايات المتحدة، يريد الرئيس ترامب الخروج بنتيجة لا تكسر هيبة أمريكا ولو في شكل انتصار سريع ملموس ومحسوس. لكن بقاء الولايات المتحدة في الحرب رهين باستمرار إسرائيل فيها، فنتنياهو نبه ترامب إلى عدم الانسحاب وتركه وحده في الساحة.
بالنسبة لإيران، فإن مجرد بقاء النظام على قيد الوجود هو انتصار سيتم ترجمته بكسر أهداف إسرائيل وأمريكا، بصرف النظر عن الخسائر التي لحقت بالبلاد.
بعيدا عن خط الوصول إذا لم يتمكن أي طرف من تغليب موقفه، وهذا لن يحدث إلا باستعمال مزيد من القوة، فلن تتوقف الحرب. ولعل أخطر ما تنذر به الأحداث هو إقدام الأطراف كلها على رفع سقف الأهداف واستعمال أشد واخطر الأسلحة بما فيها السلاح النووي، وهو خيار غير مستبعد.
