اتجاهاتكتابنا

الفساد الإداري بصيغته “الناعمة”: حين تتحول المنظومة إلى عائق مقنع

بقلم مريم بدران

في الخطاب العام، يُختزل الفساد غالبا في صوره الفجة: رشاوى، اختلاسات، وصفقات مشبوهة، لكن الأخطر ليس ما يُرى، بل ما يُمارس بهدوء.

هناك شكل آخر من الفساد لا يثير الضجيج، لكنه يُنهك المؤسسات من الداخل: فساد إداري ناعم، متجذر، ومتكرر.

هذا الفساد لا يحتاج إلى دليل مكتوب، لأنه ببساطة يمارس داخل “الإجراءات”، قرار يُؤجل بلا مبرر، ملف يُجمد دون تفسير، كفاءة تستبعد لصالح “الأقرب” لا “الأجدر”. لا شيء صريح، لكن كل شيء مفهوم.

المحسوبية هنا لا تُعلن نفسها، بل تختبئ خلف مفردات أنيقة: “ثقة”، “انسجام”، “راحة في التعامل”، لكنها في حقيقتها إعادة توزيع غير عادل للفرص، حيث تتحول العلاقات إلى معيار، وتُستبعد الكفاءة بصمت.

أما الكفاءات، فلا تقصى دائما بشكل مباشر، بل تستنزف ببطء. تُهمش، تُقيد، تُفرغ من تأثيرها. تُترك في مواقع لا تُزعج أحدا، ولا تغير شيئا. والنتيجة: مؤسسات تعمل بأقل من نصف قدرتها… وتعتاد ذلك.

ثم تأتي البيروقراطية، لا كتنظيم، بل كأداة تعطيل. إجراءات متضخمة، مسارات معقدة، وتفاصيل لا تنتهي، ليس الهدف الضبط، بل الإبطاء.

 في هذا المناخ، لا ينجح من يعمل بجد، بل من يُتقن “اللعب داخل النظام”.

المتضرر الحقيقي ليس داخل المكاتب، بل خارجها. المواطن الذي يصطدم بجدار غير مرئي: طلبات تُعاد بلا سبب، أوراق تُرفض بلا تفسير، ومسارات لا تُفهم. لا أحد يرفضه صراحة، لكن لا أحد يُنجز له شيئا.

وفي بعض البيئات، حتى تلك التي يُفترض أن تكون حاضنة للعلم والمعرفة، تتخذ هذه الممارسات طابعا أكثر حدة. لا حاجة لاتهام أحد، فالمسألة لم تعد موضع شك… بل واقع يُرى ويُعاش. هذا ليس انطباعا عابرا، بل ما رأيته وشهدته بنفسي: ملفات تُؤجل، وقرارات تُعطل، وإجراءات تُستخدم كأدوات انتقائية. هنا، لا يكفي أن تستوفي الشروط… بل أن تنسجم مع ما هو غير مكتوب ويُحسم القبول أو الرفض خارج أي إطار منطقي أو إنساني. يتحول الحق إلى مسار قابل للتلاعب، والوضوح إلى استثناء، يشعر الفرد أن أوراقه قد تُستخدم لتعطيله، لا لإنصافه، وكأن بعض الأنظمة لا تُخطئ بقدر ما تُقصي بصمت لتفادي المساءلة، وهناك من يريد المساعدة لكنه لا يستطيع، وهناك من يستطيع المساعدة لكنه لا يريد.

وفي النهاية، يشعر الفرد أن العراقيل ليست عشوائية، بل متكررة ومقصودة في كثير من الأحيان، وأن الوصول إلى أبسط الحقوق لا يعتمد فقط على الكفاءة، بل على اعتبارات أخرى غير معلنة…

وكل ذلك يحدث تحت مظلة “النظام”.

خطورة هذا النوع من الفساد أنه لا يصدم، بل يستوعب. لا يرفض، بل يعتاد. يتسلل حتى يصبح هو القاعدة، وتتحول الكفاءة إلى حالة استثنائية.

المشكلة ليست فقط في القوانين، بل في كيفية استخدامها. حين تُفرغ المعايير من معناها، وتدار القرارات بمنطق غير معلن، تصبح الشفافية تهديدا، لا قيمة. مواجهة هذا النمط لا تكون بالشعارات، بل بإعادة ضبط حقيقية: من يُكافأ؟ من يُهمش؟ وعلى أي أساس؟ دون ذلك، سيبقى الفساد “الناعم” يعمل بكفاءة… أكثر من أي نظام يُفترض أنه يقاومه.

في النهاية، هذا ليس فسادا صاخبا يمكن الإشارة إليه، بل منظومة تنتج العجز وتعيد تدويره. والنتيجة واحدة: مجتمع يدفع الثمن كاملا… دون أن يُمسك بشيء.

ومـا لا يُرى… لا يـعـنـي أنه غيـر موجـود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *