عقل مريض وثقافة مشوهة… كيف يصنع المجتمع التحرش؟
بقلم مريم بدران
في مجتمعاتنا، لا يدان المتحرش بقدر ما تدان الضحية.
تسأل المرأة: ماذا لبستِ؟ كيف مشيتِ؟ لماذا خرجتِ؟
ولا يسأل الرجل السؤال الأهم: لماذا تحرش؟
يتم تسويق فكرة أن جسد المرأة “فتنة”، وكأن المشكلة في وجودها، لا في نظرة من يراها.
لكن الحقيقة الأكثر إزعاجًا: التحرش ليس نتيجة لباس… بل نتيجة عقل مريض وثقافة مشوهة.
نعيش في مجتمعات تعاني من كبت جنسي حاد، يتم إنكاره علنًا وممارسته سرًا.
يمنع الحديث الطبيعي والصحي عن الغرائز، تحاصر التربية الجنسية، ويُربى الفرد على الخوف بدل الفهم.
ثم نتفاجأ بانفجارات مشوهة: تحرش، اعتداء، ونظرة عدائية لكل ما هو طبيعي.
في المقابل، هناك مجتمعات تظهر فيها النساء بملابس أكثر تحررًا، ومع ذلك لا يُعاملن كفرائس. لماذا؟
لأن المشكلة ليست في الجسد… بل في التربية، في الوعي، في احترام الإنسان كإنسان.
يُقال للمرأة: “تستري لتحمي نفسك”.
لكن متى سنقول للرجل: “اضبط نفسك لتكون إنسانًا”؟
لكن المشكلة لا تقف عند الكبت فقط… بل تتعمق أكثر حين يتحول المجتمع إلى مساحة من التناقض الصارخ.
في قلب هذا المشهد، يظهر أكثر أشكال الازدواجية وضوحًا.
نفس الأصوات التي تهاجم المواقع الإباحية ليل نهار، وتملأ الحديث عن الطهارة والأخلاق، هي نفسها في الخفاء تستهلك ما تدعي محاربته بلا خجل.
نفس من يهاجم المرأة بأقسى الأوصاف بسبب مظهرها، يتعامل معها سرًا بطريقة تناقض كل ما يقوله علنًا.
هذا ليس تدينًا… هذا انفصام بين القول والفعل.
حالة من التزييف الأخلاقي، حيث يتحول الدين إلى واجهة اجتماعية، لا إلى سلوك حقيقي ، يتم استعراض الإيمان على وسائل التواصل، وكأن الأخلاق إعلان عام، بينما الحقيقة تُخفى خلف الشاشات.
لكن القيم لا تقاس بما يُنشر… بل بما يُفعل حين لا يراك أحد.
المشكلة ليست في وجود الخطأ البشري، بل في الإصرار على إنكاره، ثم محاكمة الآخرين عليه.
وهنا يولد أخطر شكل من النفاق: أن تدين ما تمارسه، وتهاجم ما تستهلكه.
يُفرض على المرأة أحيانًا نمط معين من اللباس وكأنه درع ضد فساد الآخرين، لا كخيار شخصي نابع من قناعة.
وهنا يتحول الدين من علاقة بين الإنسان وخالقه… إلى أداة رقابة اجتماعية.
إذا كان الالتزام عبادة، فهو لله، وليس لإرضاء الناس.
وإذا كانت الأخلاق حقيقية، فهي تظهر في السلوك، لا في المظاهر.
المؤلم أن البعض يدافع عن هذه التناقضات باسم الدين، بينما الدين بريء من تحويل المرأة إلى شماعة لأخطاء الرجال.
فالقيم الحقيقية لا تبرر الظلم، ولا تعفي أحدًا من مسؤولية أفعاله.
ومن منظوري الشخصي :
الحل لم يكن يومًا في تغطية المرأة، إلا إذا كان ذلك نابعًا من قناعة شخصية لها، غيرة على لبستها ووفاء بما أمرها به خالقها، لا امتثالًا لإملاءات المجتمع أو قوانينه.
الحل الحقيقي يكمن في تربية الذكور على احترام الآخرين بلا استثناء، وفي تطبيق القوانين بحزم على كل من يعتدي أو يتحرش، دون أي تسامح أو تهاون.
لن يحل الأمر بالخوف، بل بالوعي الحقيقي.
لن يحل باللوم على الضحية، بل بالمسؤولية الفردية والجماعية.
لن يحل بالصمت، بل بالمواجهة الصريحة لكل انحراف وكل سلوك مرفوض.
المشكلة لم تكن يومًا في المرأة… بل في عقل لم يتعلم بعد أن يرى الإنسان إنسانًا، دون أن يحوله إلى أداة جنسية، ودون أن يحترم القوانين التي تحمي كرامة الجميع.
