Latestحول العالم

مسجد الحسن الثاني.. قبلة المغاربة في رمضان وأيقونة العشق الروحي على ضفاف الأطلسي

يُعدّ مسجد الحسن الثاني واحدًا من أبرز معالم العمارة المغربية الأندلسية، وأيقونة فنية وروحية صاغتها أنامل الحرفيين المغاربة بإتقان نادر، ليقف شامخًا منذ أكثر من 28 عامًا على حافة المحيط الأطلسي، محتضنًا ملايين الصلوات والدعوات، ومرسخًا حضوره كرمز خالد للإيمان والجمال.

وخلال شهر رمضان المبارك، يتحول مسجد الحسن الثاني إلى قبلة للمغاربة، ولا سيما البيضاويين، حيث لا يمكن الحديث عن الدار البيضاء دون استحضار هذا الصرح الديني الفريد، الذي يُعد من بين المساجد ذات المنارات الأعلى في العالم، فضلًا عن طاقته الاستيعابية الكبيرة التي تجعله الوجهة الأولى للمصلين من داخل المدينة وخارجها.

وتعود فكرة تشييد المسجد إلى الزيارة الرسمية التي قام بها الملك الراحل الحسن الثاني إلى مدينة الدار البيضاء، حيث أعلن عن رغبته في بناء مسجد كبير على الماء، في دلالة رمزية على قوله تعالى: «وكان عرشه على الماء»، وقد وُضع حجر الأساس سنة 1987، قبل أن تُستكمل الأشغال في ليلة المولد النبوي الشريف، الموافق لـ11 ربيع الأول 1414 هـ، أي في غشت 1993.

ويمثل المسجد إنجازًا وطنيًا بامتياز، إذ شُيّد بسواعد آلاف الحرفيين المغاربة، إلى جانب مساهمة الشعب المغربي عبر اكتتاب وطني استمر 40 يومًا، تجاوزت قيمته 300 مليار سنتيم مغربي، في تعبير صادق عن الارتباط الجماعي بهذا المشروع الروحي.

ويُصنَّف مسجد الحسن الثاني ضمن أعلى وأكبر المعالم الدينية في العالم، حيث يمتد على مساحة تناهز 90 ألف متر مربع، بطاقة استيعابية إجمالية تبلغ 105 آلاف مصلٍ، من بينهم 25 ألفًا داخل قاعة الصلاة الرئيسية، و80 ألفًا في الساحة الخارجية. كما ترتفع مئذنته لنحو 200 متر، تنطلق من أعلاها أشعة ليزر باتجاه القبلة لمسافة تصل إلى 30 كيلومترًا، فضلًا عن سقفه المتحرك الذي يُفتح ويُغلق آليًا.

وتتجلى روعة المسجد في زخارفه الدقيقة التي تجمع بين الجبص المنقوش، وخشب الأرز، والنقوش الرخامية، والزجاج الملون، إلى جانب فسيفساء «الزليج» التي تكسو الأعمدة والجدران وأضلاع المئذنة، ما يمنح المكان بعدًا جماليًا يعكس عمق الهوية المغربية الأندلسية.

ولا يقتصر دور مسجد الحسن الثاني على كونه فضاءً للعبادة فقط، بل يُعد مجمعًا دينيًا وثقافيًا متكاملًا، يضم قاعات للصلاة واسعة، ومركزًا لتحفيظ القرآن الكريم، ومتحفًا للصناعات التقليدية التي استُخدمت في بنائه، إلى جانب مكتبة عمومية، ليجمع بين الروح والمعرفة في تناغم فريد.

وبهذا الزخم الروحي والمعماري، استطاع مسجد الحسن الثاني أن يجمع بين عراقة جامع القرويين بفاس، وهيبة صومعة حسان بالرباط، وجمال الكتبية بمراكش، وأصالة الخيرالدة بإشبيلية، ليبقى قبلة المغاربة في رمضان، وواحدًا من أعظم الشواهد على عبقرية العمارة الإسلامية المغربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *