منوعاتنجوم

ذكرى ميلاد «دلوعة الشاشة» …استعادة الحضور الإنساني والفني الخالد

في فبراير، تحلّ ذكرى ميلاد الفنانة شادية، وليس هذا التاريخ مجرد محطة زمنية عابرة، بل مناسبة متجددة لاستحضار حضور فني وإنساني استثنائي، ترك بصمته العميقة في ذاكرة الفن المصري والعربي،  فشادية لم تكن مجرد صوت جميل أو وجه محبب، بل حالة فنية متكاملة، صنعت لنفسها مكانة لا تزول رغم الغياب.

لم تكن شادية أسيرة قالب واحد، بل استطاعت أن تجمع بين الأداء الدرامي المؤثر وخفة الظل الكوميدية، وأن تنتقل بسلاسة من أدوار الفتاة الرقيقة إلى المرأة القوية، ومن العاطفة الجياشة إلى الصلابة والتحدي، في أعمالها، لم تعتمد على المبالغة، بل على الصدق والبساطة، وهو ما منح شخصياتها عمقًا إنسانيًا قريبًا من وجدان الجمهور.

وتكشف المذكرات والكتابات التي تناولت مسيرتها، عن جانب إنساني شديد الخصوصية في حياة شادية؛ امرأة عاشت أحلامًا مؤجلة، وتجارب قاسية، وزيجات لم تكتمل، وأمنيات بالأمومة لم تتحقق، ومع ذلك، لم تنعكس هذه الانكسارات على صورتها أمام الجمهور، بل زادت من نضجها الفني وعمق إحساسها، فكانت قادرة على نقل الحزن دون ادّعاء، والفرح دون تصنّع.

عد 22 يومًا من رحيل الفنانة شادية كتبت الناقدة الفنية إيريس نظمي مقالًا تضمن لمحات من مذكرات دلوعة الشاشة وذكرياتهما معًا، وهو المقال الذى نشرته “آخرساعة” فى عددها الصادر بتاريخ 6 ديسمبر 2017. وفى السطور التالية نلقى هالة ضوء على أبرز ما روته الناقدة الكبيرة على لسان النجمة الراحلة:

حين بدأت أكتب مذكراتها كانت أيام شتاء، وكانت شادية تكره وقت الغروب وهو الوقت الذى كنت ألتقى فيه بها، فتقوم بإسدال الستائر لكى لا ترى جو الشتاء الكئيب، ومن تحت البطانية أجلس أمامها وهى تروى لى ظروف حياتها ومآسيها.. يضفى على هذا الجو الدرامى صوت الناى الحزين، المنبعث من عازف الناى الذى يجلس على النيل، نوعًا من الحزن والشجن.

فشلت شادية فى زواجها ثلاث مرات.. وكانت أمنية حياتها أن تصبح أمًا.. وأن يرزقها الله بطفل.. لكن القدر لم يشأ.. وفقدت شادية أعز حلم فى حياتها.

ووسط هذا الضباب الكثيف والشعور بالفشل ظهر فى حياتها فريد الأطرش، وكان الحب الكبير فى حياتها.. لكن هذا الحب وصل إلى طريق مسدود بسبب “الشلة” التى كانت تسهر عنده يوميًا التى كان من الصعب أن يتنازل عنها.

حين جاءت أول فرصة عمل معه ورشحنى المخرج يوسف شاهين للمشاركة فى بطولة فيلم “ودعت حبك” اكتشفت أنه إنسان آخر غير الذى كنت أعرفه من قبل.. إنه إنسان طيب وحنون جدا وكريم إلى أبعد الحدود.. إن قلبه طيب كقلب طفل.. كما اكتشفت أيضا أنه خفيف الظل على عكس ما كان يُشاع عنه.. أشياء بسيطة تفرحه أما النقد القاسى فكان يبكيه.. ووجدته مثالا للرجل “الچينتلمان” الذى يعامل المرأة باحترام.. أحببت فريد الأطرش.. وكانت ذكريات رائعة تلك التى قضيتها معه.. لم يكن يكدرها سوى غيرته التى كان يشعلها فى قلبه بعض المقربين له من الذين لاحظوا انشغاله بى عنهم.. أمضيت معه أياما حلوة مرحة.. لكنها كانت حياة مرهقة قلقة غير مستقرة من الصعب أن يغيرها.. حياة مليئة بالسهر والأصدقاء والكرم الزائد الذى لا ينتهى.. كان يريد الناس باستمرار من حوله.. الاستقرار بالنسبة له شيء صعب.. أما بالنسبة لى فهو شيء ضرورى.. وبدأت أشعر أن حياتنا لا يمكن أن تستمر بهذه الصورة.. وقررت الهروب منه بحثا عن الاستقرار.. ظننت أن ارتباطى برجل آخر هو الحل الوحيد.. لذلك تزوجت عزيز فتحى.. وكان هذا القرار المتسرع أكبر خطأ ارتكبته فى حياتى.. أمضيت عشرة أشهر زواجا منها خمسة شهور فى المحاكم وطلبنى فى بيت الطاعة.

بدأت أنشغل بمجموعة من الأفلام الكوميدية التى كانت بدايتها الناجحة “مراتى مدير عام” و”الزوجة 13″ و”عفريت مراتى” و”كرامة زوجتى”.. كنا نؤدى معًا أنا وصلاح دور الزوجين فى البيت وعلى الشاشة أيضا.. واستطعنا بذلك أن نتعرض لمشاكل المرأة العاملة وهى مشاكل جديدة على الشاشة.

وكان فطين عبدالوهاب (رحمه الله) مخرج هذه السلسلة الكوميدية من الأفلام الناجحة.. كان بالنسبة لى صديقا عزيزا يحاول فى كل وقت أن يرفِّه عنى بضحكاته لينقلنى إلى جو مرح بعيدا عن أحزانى.. ذلك الفنان الساخر الطيب صاحب القلب الكبير الذى يتسع لكل آلام البشر، بل هو نوع نادر من الرجال الذين التقيت بهم فى حياتى.. إن البعض يقول إن الصداقة بين رجل وامرأة أصبحت شيئا مستحيلا فى هذا الزمان.. الصداقة المخلصة البعيدة عن الأغراض والمنزهة عن الأخطاء.. فدائما نسمع أن الرجل والمرأة لا يجتمعان إلا إذا كان الشيطان ثالثهما.. لكنى أقول لهؤلاء الذين يتصورون الصداقة بين الرجل والمرأة نادرة الوجود.. أقول لهم “إن فطين عبدالوهاب كان ذلك الصديق الوفى والرجل الذى يحترم المرأة دون غرض شخصى.. وتطورت صداقتنا من خلال العمل.. وبمرور الوقت تفاهمنا وتقاربنا أكثر.. كان يفهم بسرعة مذهلة ما يدور فى عقلى قبل أن أنطق به.. وينفذ لى ما أريده قبل أن أطلبه.. كان يشعر بأحاسيسى الداخلية دون أن أشكو.. يعرف إذا ما كنت حزينة أو سعيدة.. إن العمل معه متعة شديدة، وذلك بالرغم من أنه كان يعانى من أشياء كثيرة أخفاها فى صدره منها انفصاله عن زوجته ليلى مراد وكانت حالته النفسية سيئة وأيضا حالته الصحية.. وكان وقتها يخرج فيلم “أضواء المدينة”.. كنا نتألم ونحاول أن نخفى عنه دموعنا وإشفاقنا عليه.. وكان لا بد أن يتأثر الفيلم بذلك كله، لكن فطين ظل يعمل حتى آخر يوم فى حياته، وبعد رحيله كنت أتحاشى أن أمشى فى شارع عدلى الذى كان يعيش فيه.. رحل فطين عبدالوهاب لكن تظل أفلامه تعيش فى ذاكرتنا ووجداننا

كان صوت شادية جزءًا من الحالة الشعورية لأجيال كاملة، يرافقهم في لحظات الفرح والتأمل والوطنية، ولم تكن أغنياتها مجرد أداء، بل امتدادًا لتجربتها الحياتية، حيث امتزج الفن بالوجدان، والخاص بالعام، في تناغم نادر.

قرارها بالاعتزال، لم يكن هروبًا ولا انسحابًا، بل اختيارًا واعيًا نابعًا من قناعة داخلية، زاد من احترام الناس لها، ورسّخ صورتها كفنانة عرفت متى تتكلم ومتى تصمت، ومتى تحضر ومتى تكتفي بما قدّمت.

في ذكرى ميلاد شادية، لا نستعيد سيرة نجمة فقط، بل نفتح صندوق الذاكرة على زمن كانت فيه الشاشة مرآة صادقة للمشاعر، وكان الفن فعل صدق لا استعراض.

رحلت شادية، لكن أثرها باقٍ…

أيقونة محفورة في الذاكرة، ودلوعة شاشة لا يغيب حضورها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *