اتجاهاتكتابنا

اللعب مع الصغار والألم الصامت

بقلم: احمد سمير المصري

في إحدى مناطق الألعاب، كان الأطفال يركضون هنا وهناك، أصوات الضحكات تملأ المكان، ومجموعات صغيرة تتشكل ثم تتغير في دقائق. طفل يدعو صديقه، وآخر يختلف معه ثم يعودان للعب والضحك وكأن شيئًا لم يكن.

وسط كل هذا، كان هناك طفل يقف وينظر.

لم يكن مختلفًا في شكله عن الآخرين. كانت عيناه تتابعان اللعبة بنظرات جانبية تلاحظ التفاصيل التى لا يلاحظها احد، وكأن بداخله ألف رغبة للمشاركة. كان يريد أن يجري معهم، أن يضحك معهم، أن يكون واحدًا منهم. لكنه لم يعرف كيف يبدأ او ماذا يفعل.

راقبته طويلًا.

كان يتقدم خطوة ثم يتراجع خطوات، يقترب قليلًا ثم يقف مترددًا. أما الأطفال الآخرون فكانوا يتحركون بعفوية، يفهمون الإشارات والكلمات وقواعد اللعب غير المكتوبة. أشياء تبدو بسيطة جدًا لمعظم الناس، لكنها قد تكون طريقًا طويلًا وشاقًا لطفل آخر.

في تلك اللحظة لم أشعر بالوجع من أجل الطفل فقط، بل من أجل كل أم وأب يقفان في صمت يشاهدان هذه المشاهد يوميًا. يبتسمان أمام أبنائهما، بينما تتكسر داخلهما أسئلة كثيرة لا يسمعها أحد.

هل سيجد صديقًا يومًا ما؟

هل سيدعوه أحد للعب؟

كيف يراه الأطفال الآخرين؟

هل سيشعر أنه ينتمي إلى هذا العالم كما يشعرون؟

أحيانًا نتحدث كثيرًا عن الدمج، ونكتب عنه في التقارير والخطط والندوات. لكن الدمج الحقيقي ليس أن يكون الطفل موجودًا في نفس المكان مع الآخرين. الدمج الحقيقي أن يشعر أنه مرحب به، وأن هناك من يراه ويحاول فهمه ويمنحه فرصة حقيقية للمشاركة.

بعض الأطفال لا يحتاجون أكثر من يد صغيرة تمتد إليهم، أو ابتسامة صادقة، أو طفل يقول لهم ببساطة: “تعال العب معنا”.

قد تبدو جملة عادية، لكنها بالنسبة لطفل يحاول كل يوم أن يجد مكانه بين الآخرين، قد تعني العالم كله.

رسالتي لكل أب وأم، ولكل معلم، ولكل طفل أيضًا:

علموا أبناءكم أن الاختلاف ليس سببًا للابتعاد، بل فرصة ليكونوا أكثر رحمة وإنسانية وجزء من الحياة مكمل للصورة. فربما تكون دقيقة يقضيها طفل مع طفل آخر مختلف عنه، أعظم درس في الإنسانية يمكن أن يتعلمه طوال حياته.

أما أطفالنا، فنحن نؤمن بهم. نؤمن بمحاولاتهم الصغيرة التي لا يراها الكثيرون، ونؤمن أن لكل خطوة صغيرة يخطونها قيمة، حتى لو بدت بسيطة في أعين الآخرين.

بعض المعارك لا تُخاض في ساحات الحروب، بل في منطقة ألعاب او في نادي، حيث يحاول طفل بكل ما يملك من شجاعة أن يقترب من مجموعة أطفال ويقول بطريقته الخاصة خليني العب معاكم.

فإذا رأيتم يومًا ما طفلًا يقف وحده يراقب الآخرين يلعبون، لا تمر مرور الكرام. أنت أو طفلك قد تكونون السبب في ابتسامة له ولأسرته يحملونها معهم طوال العمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *