المغرب في مواجهة إرث التقسيم الإستعماري
عاش المغرب عبر التاريخ عدة مراحل استعمارية، تآمرت عليه قوى دولية مثل فرنسا واسبانيا لاقتطاع أراضيه العريقة الضاربة في عمق التاريخ، وتوزيعها شرقا وشمالا وجنوبا، ورغم مرور عقود على انتهاء الحقبة الاستعمارية، لا تزال آثار ذلك التقسيم حاضرة في شكل حدود متنازع عليها وملفات جيوسياسية تحولت إلى قنابل موقوتة.
في الجهة الشرقية، ارتبطت التحولات الجغرافية بالتوسع الفرنسي في الجزائر، حيث كانت باريس تتعامل معها باعتبارها مقاطعة فرنسية، وتسعى إلى ترسيخ وجودها فيها لأطول فترة ممكنة، وفي ظل ذلك عمدت الإدارة الاستعمارية إلى اقتطاع مساحات مهمة من الصحراء الشرقية المغربية، بما تضمه من واحات ومناطق ذات أهمية استراتيجية واقتصادية، وإلحاقها بخرائطها المستحدثة، وجاء ذلك في ظل آليات ترسيم حدود لم تكن تحظى بالدقة والوضوح اللذين تتسم بهما الحدود الدولية الحديثة، وهكذا ترك الاستعمار وراءه خريطة جديدة للمنطقة ساهمت في خلق إشكالات حدودية استمرت آثارها إلى اليوم.
إن بتر الخريطة المغربية لم يتوقف عند الشرق، بل امتد إلى أقصى الشمال، حيث بقيت قضية سبتة ومليلية حاضرة بقوة، إلى جانب الجزر الجعفرية وجزيرة باديس، يواجهون الاحتلال الإسباني المباشر، لتشكل آخر الجيوب الاستعمارية القائمة فوق القارة الإفريقية.
وهنا تظهر المفارقة التاريخية الصارخة، إسبانيا، التي “تساند الشعوب المستعمرة” في الشرق الأوسط وتدافع عن قضايا الحقوق والحريات هناك، تحتل في الوقت نفسه مدينتين إفريقيتين مغربيتين، وهي المفارقة التي خرجت من إطارها التاريخي إلى الواجهة السياسية بقوة بعد أحداث سبتة.
لم تكن أزمة سبتة مجرد مشكلة هجرة عابرة، وإنما تحولت إلى زلزال دبلوماسي وضع مدريد في نكسة أخلاقية غير مسبوقة، وبينما كانت إسبانيا تحظى بالإشادة بسبب مواقفها ودعمها لقضايا الشرق الأوسط والعرب، وجد المجتمع الدولي نفسه أمام حقيقة جغرافية وتاريخية صادمة، الدولة التي “تساند الشعوب المضطهدة” هناك، ما زالت تحتل مدينتين إفريقيتين مغربيتين وتفرض عليهما سيادتها بالقوة.
أما في الجنوب، فالقصة أخذت أبعادا أكثر تعقيدا، وبمجرد أن استرجع المغرب أقاليمه الصحراوية عبر المسيرة الخضراء السلمية عام 1975، تكتلت قوى إقليمية عربية ودولية لتبني نزاعا مفتعلا في محاولة لبتر الصحراء من الخريطة المغربية، بهدف محاصرة الصعود الجيوسياسي للمملكة وعزلها عن امتدادها الاستراتيجي نحو القارة السمراء.
وبذلك، عاش أمام المغرب ثلاثة مسارات تاريخية كبرى، اقتطاع الشرق، واحتلال الشمال، ومحاولات بتر الجنوب، وهي مسارات صنعتها و غذتها تحولات استعمارية وصراعات إقليمية، وتركت وراءها خرائط مغلوطة وقنابل جيوسياسية موقوتة.
وعن أزمة سبتة، فقد برهن المغرب على قدرته على تحويل هذه الجغرافيا التاريخية إلى أوراق سياسية، فالمملكة المغربية، بحكم موقعها الاستراتيجي، ليست مجرد دولة تواجه أزمة حدودية مع إسبانيا، وإنما شريك أساسي في معادلات الأمن والهجرة والاستقرار على الضفة الجنوبية لأوروبا.
في عز هذه الأزمة، استطاع المغرب تكريس دعمه الدولي الاستراتيجي من قوى عظمى كالولايات المتحدة، ليثبت مكانته كشريك أول وموثوق، وفي المقابل، عاشت إسبانيا ضغوطا سياسية كبيرة، وفشلت في استقطاب الدعم الأوروبي بالشكل الذي كانت تسعى إليه، بل وصلت الأزمة إلى طرح تهديدات بمراجعة وضعها وطردها من منطقة “شنغن” إذا عجزت عن حماية حدودها.
وهنا تكمن أهمية سبتة، فقد كشفت الأزمة أن ملف الهجرة لا يمكن فصله عن الجغرافيا والسيادة والسياسة، كما أثبتت أن العلاقة بين المغرب وإسبانيا ليست علاقة بين دولتين متجاورتين فحسب، وإنما علاقة تحكمها ملفات تاريخية شديدة الحساسية، إلى جانب مصالح أمنية واستراتيجية لا يستطيع أي طرف تجاهلها.
لقد أسقطت أحداث سبتة الأقنعة، وأعادت إلى الواجهة حقيقة ظلت حاضرة خلف المشهد، أن إرث التقسيم الإستعماري لم ينتهِ بانتهاء الاستعمار، وأن الخرائط التي صُنعت في تلك المرحلة لا تزال قادرة على إنتاج أزمات سياسية في القرن الحادي والعشرين.
من الشرق إلى الشمال، ومن الشمال إلى الجنوب، يواصل المغرب مواجهة آثار تاريخ استعمارية ثقيلة؛ لكن أزمة سبتة أظهرت في الوقت نفسه أن الجغرافيا التي كانت يوماً أداة لاقتطاع الأراضي يمكن أن تتحول اليوم إلى مصدر قوة سياسية واستراتيجية، و أن مفاتيح الاستقرار في المنطقة قابعة في الرباط.
