اتجاهاتانفوجراف

التلفزيون الرسمي الإيراني: عباس عراقجي «وزير الخوارج»

أثار خطأ في شريط إخباري بثه التلفزيون الرسمي الإيراني جدلًا واسعًا، بعدما أدى إضافة حرف واحد إلى اسم وزارة الخارجية إلى تحويل اسم عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، إلى «وزير الخوارج».

وظهر عراقجي خلال مراسم توقيع اتفاق بين وزارتي الصحة والعلاج والتعليم الطبي والخارجية الإيرانيتين، إلى جانب وزير الصحة محمد رضا ظفرقندي. إلا أن الشريط الإخباري كتب عبارة «وزارة الخوارج» بدلًا من «وزارة الخارجية»، بفارق حرف «واو» واحد.

ورغم أن الأمر قد يبدو مجرد خطأ مطبعي، فإن سجل التلفزيون الرسمي في مهاجمة الحكومة وفريق التفاوض جعل الخطأ يُفسر على نطاق واسع باعتباره مؤشرًا على الصراع بين معارضي التفاوض مع واشنطن ومؤيديه.

وسرعان ما انتشرت صورة الشريط على مواقع التواصل الاجتماعي، وعلّق أحد المستخدمين ساخرًا بأن عباس عراقجي لم يعد وزير الخارجية، بل أصبح «وزير الخوارج». فيما قارن آخرون بينه وبين وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف، الذي كان معارضوه يصفونه لسنوات بأنه «وزير خارجية أميركا».

وتساءلت صحيفة «اعتماد» الإيرانية عن الواقعة بعبارة: «خطأ أم خبث؟».

«الخوارج».. أكثر من مجرد خطأ إملائي

يحمل مصطلح «الخوارج» دلالة تاريخية وسياسية شديدة الحساسية في إيران. فقد أطلق الاسم في التاريخ الإسلامي على جماعة أجبرت علي بن أبي طالب، خلال معركة صفين عام 37 للهجرة، على قبول التحكيم مع معاوية.

وبحسب الروايات التاريخية، وبعد فشل مسار التحكيم، عاد أفراد الجماعة نفسها لإدانة الإمام علي بسبب قبوله التفاوض، وانفصلوا عن جيشه وحاربوه. وتمكن علي من هزيمتهم في معركة النهروان، قبل أن يُقتل بعد ثلاث سنوات على يد أحد أفراد هذا التيار.

وفي الأدبيات السياسية للنظام الإيراني، يُستخدم مصطلح «الخوارج» بوصفه توصيفًا شديد السلبية، للإشارة إلى خونة داخل النظام يتظاهرون بالتدين، وينفصلون عن القائد الشرعي ويدفعون المجتمع نحو الفتنة.

وبعد احتجاجات عام 2009 على نتائج الانتخابات الرئاسية، استخدم مؤيدو النظام الإيراني المصطلح مرارًا لوصف معارضيهم.

ومن هذه الخلفية، تحوّل الخطأ الإملائي في شريط التلفزيون الرسمي إلى جدل سياسي وتاريخي. فقد رأى فريق أن «الخوارج الحقيقيين» هم «جناح التفاوض»، بينما رد آخرون بأن الخوارج هم الذين أجبروا «الإمام» أولًا على التفاوض، ثم تخلوا عن مسؤولية القرار بعد فشل المفاوضات.

ويرتبط هذا الجدل بالخلاف الحالي بشأن مسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. وخلال الأسابيع الأخيرة، سعت وسائل إعلام متشددة إلى تقديم المرشد الإيراني مجتبى خامنئي باعتباره معارضًا لمسار المفاوضات الذي أفضى إلى «تفاهم إسلام آباد».

ويرى منتقدو هذه الرواية أن المتشددين شاركوا هم أنفسهم في قرارات النظام، لكنهم يحاولون الآن تحميل حكومة الرئيس الحالي مسعود بزشكيان والمفاوضين مسؤولية تبعات تلك القرارات.

تبريرات لخطأ حرف «الواو»

في المقابل، ظهرت تفسيرات تدافع عن احتمال أن يكون ما حدث مجرد خطأ لغوي. ففي اللغة الفارسية، يُكتب حرف «الواو» في بعض الكلمات القديمة، مثل «خواهر» التي تعني «أخت»، رغم أنه لا يُنطق.

وبناءً على ذلك، طرح البعض احتمال أن يكون محرر الشريط قد نقل هذا النمط الإملائي عن طريق الخطأ إلى كلمة «خارجه» التي تعني «الخارجية».

ورأى بعض مستخدمي مواقع التواصل أن الواقعة لا تتجاوز خطأ بسيطًا، في حين اعتبر آخرون أن وجود عدة محررين ومشرفين ومديرين داخل مؤسسة تتمتع بميزانية ضخمة يجعل تفسير الخطأ المطبعي وحده موضع شك.

توتر متراكم بين التلفزيون الرسمي والدبلوماسيين

ولا يستند التشكيك في طبيعة الخطأ إلى حرف «الواو» وحده، وإنما إلى سجل التلفزيون الرسمي الإيراني وعلاقته المتوترة مع الحكومة وفريق التفاوض.

وتخضع هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية الإيرانية لإدارة بيمان جبلي ونائبه للشؤون الثقافية وحيد جليلي، شقيق السياسي المتشدد سعيد جليلي. وشهدت الهيئة خلال الأشهر الأخيرة توترًا واضحًا مع الحكومة وفريق التفاوض.

وسبق للتلفزيون الرسمي أن حجب تصريحات للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بشأن توجيه سري من المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي للتفاوض مع واشنطن، كما قطع مقابلة مباشرة مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وتجاهل توجيهات مجلس الإشراف بوقف الرقابة على كبار المسؤولين.

وبعد اعتراض عراقجي على ممارسات المؤسسة، ردت الأخيرة بأنها لا تستطيع أن تكون تحت تصرفه «على مدار الساعة».

وزاد توقيت بث الشريط من علامات الاستفهام، في ظل اقتراب انتهاء ولاية بيمان جبلي التي تستمر خمس سنوات. وسيكون قرار المرشد الإيراني الجديد بشأن الإبقاء على رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون أو إقالته اختبارًا لموازين القوى بين «جناح الحرب» و«جناح التفاوض».

ومع ذلك، فإن الخلاف بين الجناحين لا يعني بالضرورة وجود اختلاف جوهري بينهما؛ فكلاهما يعمل داخل بنية النظام الإيراني، كما أن تهديدات المتشددين قد تتحول أحيانًا إلى ورقة يستخدمها الدبلوماسيون في المفاوضات والمساومة.

وفي نهاية المطاف، لا يمكن الجزم بأن عبارة «وزارة الخوارج» كُتبت عمدًا. لكن الغموض الذي أحاط بالواقعة حوّل حرف «الواو» إلى أداة مناسبة في صراع الأجنحة داخل النظام الإيراني؛ حرف كُتب ولم يُنطق، لكنه بدا وكأنه تحدث بصوت أعلى من كلمات الشريط الإخباري نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *