وقف إطلاق النار لن يحدد مستقبل السودان… والخلاف حول شكل العملية السياسية يهدد جهود «الخماسية»
بقلم الإعلامية أريج الحاج
بينما تتجادل القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع والقوى المدنية حول هذا السؤال، تواجه «الخماسية» الدولية عقبات متزايدة أمام بناء عملية سياسية شاملة.
وقف إطلاق النار لن يحسم مستقبل السودان
حتى لو اتفقت القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع على وقف لإطلاق النار، فإن الأسئلة التي ستحدد مستقبل البلاد ستظل بلا إجابة: من سيحكم؟ ومن سيمثل الشعب السوداني؟ وما الشكل الذي ستتخذه الدولة المقبلة؟
لذلك تظل هناك حاجة إلى عملية سياسية واسعة، منفصلة عن أي مفاوضات عسكرية، وستتطلب دعمًا إقليميًا ودوليًا وأمميًا قادرًا على ضمان أوسع تمثيل ممكن للمجتمع السوداني.
وعلى الرغم من أن جميع الأطراف تقر بأهمية هذه العملية السياسية، فإن الآلية المكلفة بتيسيرها واجهت منذ البداية عقبات هيكلية تهدد بإفشال المسعى برمته. وتضم «الخماسية» الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيغاد»، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وقد كُلّفت بتيسير حوار سوداني-سوداني شامل، بالتوازي مع الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب.
اعتراضات الجيش
الجيش، بوصفه القوة العسكرية الأكثر نفوذًا في البلاد والمؤسسة التي تسيطر على أجهزة الدولة، لا يعارض الحوار من حيث المبدأ، لكنه يريد التحكم في معاييره: من يقوده، ومن يشارك فيه، وما الحدود التي لا يمكن تجاوزها.
ومن وجهة نظر الجيش، فإن أي عملية سياسية تشرف عليها أطراف دولية أو إقليمية تهدد موقعه باعتباره صاحب القرار النهائي في تحديد النظام السياسي المستقبلي للسودان. ولذلك فإن اعتراضاته المتكررة على تركيبة الآلية وقيادتها تتجاوز الخلافات الإجرائية؛ فهي تهدف إلى إبقاء السلطة السياسية المتعلقة بمستقبل السودان في يده، بدلًا من أن تكون في يد الوسطاء الدوليين أو خصومه السياسيين.
وقال مصدر حكومي لي إن الجيش يعترض على تولي الاتحاد الأفريقي الدور القيادي في الآلية، في وقت لا تزال فيه عضوية السودان في المنظمة معلقة منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021. وهذا يثير معضلة أساسية: كيف يمكن لهيئة دولية أن تقود عملية سياسية في بلد ليس حاليًا عضوًا فاعلًا فيها؟
وكان مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي قد علّق عضوية السودان فور وقوع الانقلاب، التزامًا بسياسة «عدم التسامح مطلقًا» مع التغييرات غير الدستورية للحكومات، وهي السياسة نفسها التي طبقها تجاه دول أفريقية أخرى شهدت انقلابات خلال السنوات الأخيرة، بينها مالي والنيجر وغينيا وبوركينا فاسو.
عقبة خطيرة
أصبح هذا التناقض واحدًا من أخطر العقبات أمام أي تسوية. فالجهة المكلفة برعاية الحل السياسي هي نفسها الجهة التي علّقت علاقاتها الرسمية بالدولة المعنية.
ويستند الجيش مباشرة إلى هذه المفارقة لتبرير تحفظاته: «لسنا حاليًا جزءًا من الاتحاد الأفريقي، فكيف يُطلب منا قبول شروط هيئة علّقت عضويتنا فيها رسميًا؟»
وللحجة جانب إجرائي، لكنها تُستخدم سياسيًا أيضًا لتجنب الانخراط الجاد مع «الخماسية».
وقد حاولت الحكومة الانتقالية مرارًا رفع تعليق العضوية، خصوصًا بعد عودة السودان إلى «إيغاد»، لكن تلك الجهود لم تحقق أي نتيجة حتى الآن.
وهكذا يجد الاتحاد الأفريقي نفسه أمام معضلة مزدوجة؛ إذ لا يستطيع القول إن ما حدث في السودان «لم يكن انقلابًا» من دون تقويض مصداقية سياسته الخاصة بمواجهة الاستيلاء العسكري على السلطة. وفي الوقت نفسه، فإن إبقاء السودان تحت التعليق يضعف قدرته على أداء دور فعال في ظل تفاقم الأزمة الإنسانية والأمنية، ويمنح الجيش ذريعة إضافية للطعن في شرعية قيادة الاتحاد الأفريقي للعملية السياسية برمتها.
وعلى الرغم من أن أطرافًا أخرى، بينها جامعة الدول العربية و«إيغاد»، تعترف بعبد الفتاح البرهان رئيسًا لمجلس السيادة، وبكمال إدريس رئيسًا للوزراء، فإن هذا الاعتراف لم يساهم كثيرًا في جعل «الخماسية» أكثر قبولًا لدى الجيش وحكومته.
تباينات داخل «الخماسية»
ولا يقتصر الخلاف على علاقة السودان بالاتحاد الأفريقي، بل يمتد إلى طريقة عمل أعضاء «الخماسية» أنفسهم.
ففي حين حافظ الاتحاد الأفريقي على موقفه بشأن تعليق عضوية السودان، تحرك المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، بيكا هافيستو، بصورة أكثر استقلالية، إذ كثف اتصالاته مع الأطراف السودانية وحثها على تقديم التزامات ملموسة لخفض التصعيد. وفي بعض الأحيان، بدت جهوده وكأنها تسير بالتوازي مع العمل الجماعي للآلية، بدلًا من أن تكون مندمجة فيه بشكل كامل.
أما جامعة الدول العربية و«إيغاد»، اللتان تعترفان كلتاهما بحكومة البرهان-إدريس باعتبارها السلطة الشرعية، فقد أبدتا مرونة أكبر تجاه مقترح الجيش بشأن «حوار داخلي»، مقارنة بالاتحاد الأفريقي الذي اتسم موقفه بمزيد من التشدد.
وتساعد هذه الاختلافات بين أعضاء «الخماسية» أنفسهم على تفسير هشاشة الآلية، كما تمنح الجيش مساحة للمناورة بين وسطاء ذوي مواقف متباينة، بدلًا من مواجهته بجبهة دولية موحدة.
الدعم السريع وعقبة التفاوض
لكن اعتراضات الجيش ليست العامل الوحيد الذي يعرقل العملية. فقوات الدعم السريع، الطرف الآخر في الحرب، لم تُظهر حتى الآن التزامًا حقيقيًا بمفاوضات جادة.
وقال قائدها، محمد حمدان دقلو، المعروف باسم «حميدتي»، في خطاب حديث، إن قواته مستعدة لمواصلة القتال حتى عام 2040 إذا لزم الأمر، وهو ما يوضح مدى بُعد التسوية السياسية.
وفي الوقت الذي تسعى فيه «الخماسية» إلى بناء عملية سياسية شاملة، تواصل قوات الدعم السريع ترسيخ مؤسسات موازية على الأرض، بدءًا من إدارة الامتحانات في نيالا ودارفور، وصولًا إلى فرض الانضباط داخل صفوفها.
ويشير ذلك إلى أن أولوياتها المباشرة لا تزال إدارية وعسكرية أكثر منها سياسية. كما أن غياب أي التزام مماثل من الطرف الآخر في الحرب يجعل أي قراءة لمأزق «الخماسية» تركز فقط على شروط الجيش قراءة غير مكتملة بالضرورة.
من يحق له الجلوس إلى طاولة الحوار؟
ثم تأتي طبيعة الحوار السياسي نفسه، وبصورة أدق، سؤال مركزي: من يحق له الجلوس إلى طاولة الحوار؟
وهنا تبرز مسألة تحالفي «صمود» و«تأسيس»، إلى جانب قوى أخرى يعتبرها الجيش متحالفة مع قوات الدعم السريع أو متعاطفة معها.
وفي بياناتها العلنية، سعت «الخماسية» إلى الابتعاد عن هذا الجدل. ففي بيان صدر في 14 أبريل، جددت التزامها بتيسير حوار سوداني-سوداني شامل، بقيادة سودانية، من أجل إنهاء الحرب ووضع الأسس لانتقال سلمي.
وتحول هذا الالتزام إلى خطوات عملية عندما عقدت «الخماسية» مشاورات في أديس أبابا خلال الفترة من 3 إلى 5 يونيو، في محاولة لتشكيل لجنة تحضيرية يمكنها إطلاق الحوار.
وأكد بيان لاحق صدر في 6 أغسطس استمرار الاتصالات مع الكتل والأحزاب السياسية السودانية. كما دعا مجلس السلم والأمن الأفريقي إلى إجراء حوار سوداني-سوداني شامل تحت قيادة الاتحاد الأفريقي، وحث «الخماسية» على مواصلة التشاور مع الأطراف السودانية استعدادًا لإطلاقه.
لكن التطورات على الأرض أوضحت أن مسألة المشاركة ليست مجرد تفصيل إجرائي هامشي، بل تقع في صميم النزاع.
فقد كادت التحضيرات لاجتماع يونيو في أديس أبابا أن تنهار بعدما اعترضت بعض المجموعات على الدعوة الموجهة إلى كتلة سياسية جديدة يقودها محمد أحمد الجاكومي، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره قريبًا من معسكر الجيش.
وبعد مشاورات مكثفة، سحبت «الخماسية» الدعوة. وفي المقابل، اعترضت مجموعات مدنية أخرى منذ البداية على مشاركة تحالفي «صمود» و«تأسيس».
خلافات أعمق بين القوى المدنية
وتعمقت الانقسامات أكثر. فقد طالبت «صمود» باستبعاد حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وحمّلتهما مسؤولية اندلاع الحرب.
أما «الكتلة الديمقراطية»، فقد أصرت على أن تقطع القوى المدنية داخل «تأسيس» علاقاتها بقوات الدعم السريع وأن تنهي «الحكومة الموازية» كشرط للمشاركة.
واتسع الشرخ أكثر في أواخر يوليو، عندما قاطعت قوى إعلان المبادئ السودانية، إلى جانب «صمود» و«تأسيس»، اجتماعات «الخماسية» في أديس أبابا، احتجاجًا على نهجها وعلى الأطراف التي دُعيت للمشاركة.
وكشفت المقاطعة عن اتساع الفجوة بين رؤية الوسطاء الدوليين للعملية السياسية، والرؤى المتنافسة للفصائل السودانية بشأن الشكل الذي ينبغي أن تكون عليه عملية سياسية عادلة.
وبالتالي، فإن اعتراض الجيش على سؤال «مع من سيكون الحوار؟» لا يقف بمعزل عن السياق، بل يمثل جزءًا من نزاع أعمق يمر عبر القوى المدنية والسياسية السودانية.
لقد أصبحت مسألة التمثيل عقبة متعددة المستويات، تتقاطع فيها أسئلة الشرعية والتحالفات الميدانية والمسؤولية عن بدء الحرب، وتتجاوز بكثير أي خلاف فني حول تشكيل لجنة تحضيرية.
حوار موازٍ
المفارقة هي أنه في الوقت الذي تسعى فيه «الخماسية» إلى دفع عملية سياسية واسعة، يروّج البرهان لحوار «سوداني-سوداني» خاص به.
وفي كلمة مسجلة بمناسبة الذكرى الـ72 لتأسيس القوات المسلحة السودانية، قال إن المشاركين في الحوار الوطني سيحصلون على حصانة مؤقتة، ولن يتعرضوا للملاحقة القانونية بسبب الآراء التي يعبّرون عنها خلال النقاشات.
وفي 26 مايو، أعلن أن الاستعدادات جارية لإجراء حوار شامل داخل السودان للاتفاق على أسس الحكم واستكمال الانتقال إلى الحكم المدني الديمقراطي.
وفي الوقت نفسه، وضع حدودًا واضحة للمشاركة، مستبعدًا القوى التي تعتبرها حكومته مرتبطة بقوات الدعم السريع أو متورطة في الحرب.
لكن في أواخر أغسطس، رفضت قوى سياسية ومدنية سودانية دعوته، واقترحت بدلًا من ذلك خارطة طريق تقوم على ثلاثة مسارات متزامنة: الإغاثة الإنسانية، ووقف إطلاق النار الدائم، وعملية سياسية مدنية خالصة.
وبالتالي، يدور الخلاف بين رؤيتين متنافستين للحوار: عملية تسعى «الخماسية» إلى جعلها واسعة وشاملة، وعملية داخلية تحتفظ فيها السلطات القائمة بقدر أكبر من السيطرة على القواعد وعلى تحديد من يُسمح له بالمشاركة.
وقد ظهر النمط نفسه من قبل. ففي ديسمبر 2025، عرض رئيس الوزراء كمال إدريس أمام مجلس الأمن الدولي مبادرة تبدأ بوقف إطلاق النار، ونزع سلاح قوات الدعم السريع وانسحابها من المدن، ثم الانتقال إلى «حوار سوداني-سوداني» لتحديد كيفية حكم البلاد.
وكانت المبادرة نفسها تتيح دورًا دوليًا وإقليميًا في الإشراف على بعض هذه الترتيبات. وتحدث إدريس عن وقف إطلاق نار تتم مراقبته من جانب الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية.
وبالتالي، فإن اعتراض الحكومة ليس على وجود دور خارجي من حيث المبدأ، وإنما يتعلق في الحقيقة بحجم هذا الدور، وفوق كل شيء، بمن يمتلك سلطة وضع قواعد العملية السياسية وتحديد من يشارك فيها.
كما أن تكرار إحياء فكرة «الحوار السوداني-السوداني» كلما تصاعد الضغط الخارجي قد يخدم غرضًا استراتيجيًا أيضًا، يتمثل في كسب الوقت، واستعادة السيطرة على مسار التسوية، والإبقاء على إمكانية تغيير ميزان القوى في ساحة المعركة.
الدور الأمريكي حاسم
يبقى دور واشنطن محوريًا ومن الصعب استبداله، رغم أن المؤسسات متعددة الأطراف، وليس الدول منفردة، هي التي تقود «الخماسية».
وتكتسب الولايات المتحدة أهمية خاصة لأنها كانت الطرف الدولي الأكثر إصرارًا على أن تفضي أي عملية انتقال سياسي في السودان إلى حكم مدني ديمقراطي، وأن تمنع عودة القوى الإسلامية إلى مركز السلطة السياسية.
لكن واشنطن بدأت خلال الأشهر الأخيرة في إعادة توجيه ثقلها الدبلوماسي نحو المسار الإنساني على حساب العملية السياسية الأوسع.
ويأتي هذا التحول بتكلفة على «الخماسية» ككل. فبدون ضغط أمريكي مستمر إلى جانب الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، يحصل الجيش على مساحة أكبر لإضعاف الآلية من خلال التأخير الإجرائي بدلًا من رفضها بشكل صريح.
وكل فجوة في الانخراط الدبلوماسي الأمريكي تمنحه مساحة إضافية لتعزيز مساره الموازي للحوار الداخلي.
لذلك، تحتاج الإدارة الأمريكية إلى أكثر من مجرد استئناف انخراطها؛ فهي تحتاج إلى مقاربة تراعي التعقيد الكامل للمشهد السوداني، تكون متوازنة بما يكفي للاعتراف بأن العقبات هيكلية ومتشابكة وليست مجرد عقبات إجرائية، ومنفتحة بالقدر الكافي لربط الأدوات الإنسانية، من الهدن المحلية إلى ممرات المساعدات، بشروط سياسية واضحة تضمن المشاركة الجادة في حوار شامل.
وعندها فقط يمكن للمسار الإنساني أن يتحول إلى مصدر نفوذ لـ«الخماسية»، بدلًا من أن يصبح غاية في حد ذاته، مع إبقاء هدف الانتقال المدني في صميم الحسابات الأمريكية، بدلًا من السماح له بالتراجع إلى الخلفية.
وفي نهاية المطاف، يكمن الخطر الأكبر في أن مبدأ «الملكية السودانية»، من دون توازن حقيقي بين الأطراف المتحاربة في البلاد أو نفوذ دولي كافٍ لموازنة قوتها، قد يتوقف عن أداء دوره كأساس لتسوية مستدامة، ويتحول بدلًا من ذلك إلى وسيلة تتيح لأحد أطراف الحرب أن يقرر بمفرده من يحق له أن يكون جزءًا من مستقبل السودان.
