الأمم المتحدة تستعد لتغيير خريطة العالم
تتجه الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى التصويت على مشروع قرار يدعو إلى تعزيز استخدام خرائط تُظهر المساحات الحقيقية للقارات والدول بصورة أكثر دقة، في خطوة تهدف إلى الحد من التشوهات التي كرّسها الاعتماد الواسع على خريطة «مركاتور» لعقود.
ومن المقرر أن تصوّت الجمعية العامة، الجمعة، على مشروع قرار يدعو الحكومات والمدارس والمنظمات الدولية وشركات التكنولوجيا إلى اعتماد إسقاطات متساوية المساحة، وغيرها من الخرائط التي تعكس الحجم الفعلي للأراضي، خصوصًا عندما يكون قياس المساحات الجغرافية مهمًا. ولا يتضمن المشروع حظر استخدام خريطة «مركاتور» بشكل كامل.
ويُعرف إسقاط «مركاتور» بتزايد التشوه في أحجام المناطق كلما ابتعدت عن خط الاستواء. وبسبب وقوع معظم أفريقيا في المناطق القريبة من خط الاستواء، تبدو القارة على الخرائط التقليدية أصغر من حجمها الحقيقي، بينما تظهر مناطق مثل أوروبا وأميركا الشمالية وغرينلاند وروسيا بأحجام أكبر نسبيًا.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك أن خريطة «مركاتور» قد توحي بأن مساحة أفريقيا قريبة من مساحة غرينلاند، في حين أن مساحة القارة الأفريقية تفوق مساحة غرينلاند بنحو 14 مرة.
وتولت توغو تقديم مشروع القرار إلى الأمم المتحدة بدعم من الاتحاد الأفريقي، حيث قال وزير خارجيتها روبرت دوسي إن القضية لا تتعلق بالجغرافيا وحدها، بل بكيفية تشكيل الخرائط لصورة العالم في أذهان الناس.
وأوضح دوسي أن الخرائط يمكن أن تؤثر في تصورات الشعوب والقارات ومكانتها، خصوصًا عندما يتعرف الأطفال إليها منذ المراحل الأولى من التعليم، مؤكدًا أن أفريقيا لا تطالب بمعاملة تفضيلية، وإنما بتمثيل يتوافق مع واقعها الجغرافي ومساهمتها في النظام الدولي.
وحث الوزير الوفود الأفريقية على توسيع نطاق دعم مشروع القرار قبل التصويت، معتبرًا أن الموقف يمثل اختبارًا لقدرة القارة على التحرك بصوت موحد داخل الأمم المتحدة. وفي إطار الحشد للمشروع، استضافت توغو اجتماعًا لجميع الدول الأعضاء عشية التصويت.
وتسعى المبادرة إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من التوافق بين الدول الأعضاء، في ظل عدم وضوح حجم المعارضة التي قد يواجهها المشروع.
كما حظيت الحملة الشعبية الداعمة للمبادرة بتفاعل دولي، إذ جمعت عريضة أطلقت عبر منصة «Change» تحت وسم #CorrectTheMap نحو 11 ألف توقيع قبل موعد التصويت. وكان الاتحاد الأفريقي قد أيد الحملة في أغسطس 2025، وكلف توغو بقيادة الجهود الرامية إلى طرحها في الأمم المتحدة.
ويرى مؤيدو المبادرة أن تمثيل المساحات الحقيقية للقارات والدول بات أكثر أهمية، خصوصًا مع تزايد الدور الأفريقي في معالجة القضايا والتحديات العالمية.
ومنذ عقود، ينتقد مؤرخون وجغرافيون خريطة «مركاتور» بسبب التشوهات التي تنتج عنها في تمثيل المساحات، فيما ذهب بعض الناشطين إلى وصف هذه التأثيرات بمصطلح «الاستعمار الخرائطي»، في إشارة إلى ما يرونه انعكاسًا لتصورات تاريخية غربية عن مكانة مناطق العالم وأحجامها.
ولا يعني مشروع القرار، في حال اعتماده، إلغاء خريطة «مركاتور»، وإنما الدفع نحو استخدام خرائط أكثر دقة في الحالات التي يكون فيها الحجم الحقيقي للدول والقارات عاملًا أساسيًا في فهم الواقع الجغرافي.
