من المغرب إلى الجولان… حين شاركت التجريدة المغربية في حرب أكتوبر دفاعا عن قضية عربية
في السادس من أكتوبر عام 1973، لم تكن المعركة التي اندلعت على جبهتي سيناء والجولان حربًا تخص بلدا واحدا، بل كانت لحظة عربية استثنائية اجتمعت فيها جيوش عربية من مشرق الوطن العربي ومغربه، ووجد فيها جنود من بلدان بعيدة عن خطوط النار أنفسهم في قلب واحدة من أعنف المواجهات العسكرية في تاريخ المنطقة.
بينما تحفظ الذاكرة العربية تفاصيل العبور المصري على قناة السويس، والهجوم السوري على الجولان، فإن صفحة أخرى لا تقل أهمية ظلت في الذاكرة الشعبية، وهي مشاركة القوات المسلحة الملكية المغربية في حرب أكتوبر على الجبهة السورية.
لم يكن حضور المغرب في تلك الحرب حضورًا رمزيًا أو سياسيًا عابرًا، فقد قرر المغرب، قبل اندلاع الحرب، إرسال قوات إلى سوريا لتعزيز الجبهة العربية، وبدأت الاستعدادات لوصول التجريدة المغربية خلال عام 1973، لتصل وحداتها إلى الأراضي السورية قبل اندلاع المعارك، وهكذا وجد آلاف الجنود المغاربة أنفسهم، في السادس من أكتوبر، في مواجهة مباشرة مع واحدة من أكثر المعارك شراسة في المنطقة.
جنود من أقصى الغرب العربي على جبهة الجولان
كانت المسافة بين المغرب والجولان شاسعة، لكن المسافة بين الجندي المغربي والقضية التي جاء من أجلها لم تكن موجودة، وصلت التجريدة المغربية إلى سوريا وهي تحمل معها رجالًا ومعدات ووحدات عسكرية، وكان من أبرز قادتها الجنرال عبد السلام الصفريوي، إلى جانب عدد من الضباط، من بينهم العقيد عبد القادر العلام، ومع انطلاق الحرب، دخلت القوات المغربية ميدان القتال إلى جانب القوات السورية والعربية، وشاركت في المعارك التي دارت على جبهة الجولان، وفي ظروف ميدانية بالغة القسوة.
لم تكن المعركة سهلة.
كانت القوات العربية تواجه هجومًا إسرائيليًا مضادًا واسعًا، مدعومًا بالطيران والمدرعات، فيما كانت الوحدات الموجودة على الأرض مطالبة بالصمود في تضاريس قاسية وتحت نيران كثيفة، ومع ذلك، قاتل الجنود المغاربة في الصفوف الأمامية، ولم يكن وجودهم خلف خطوط المعركة مجرد وجود احتياطي، لقد جاؤوا إلى سوريا لكي يقاتلوا، وحين بدأت الحرب، قاتلوا بالفعل.
حين يصبح التضامن العربي موقفًا على الأرض
تكمن خصوصية المشاركة المغربية في حرب أكتوبر في أنها جسدت، في ذلك الوقت، معنى مختلفًا للتضامن العربي، فالمغرب لم يكن دولة مواجهة مع إسرائيل، ولم تكن أراضيه جزءًا من مسرح العمليات، ومع ذلك عبر جنوده آلاف الكيلومترات للوصول إلى الجبهة السورية، كان بإمكانهم أن يبقوا بعيدين عن الخطر، وأن تقتصر المشاركة على الموقف السياسي، لكن القرار كان بإرسال قوات إلى أرض المعركة، وهنا تتحول المسافة الجغرافية إلى تفصيل صغير أمام معنى أكبر، ولم تكن المشاركة المغربية بلا ثمن، فقد سقط جنود مغاربة في المعارك، وكان من أبرز القادة الذين ارتبط اسمهم بهذه المشاركة العقيد عبد القادر العلام، الذي تذكر المصادر المغربية مقتله خلال القتال في منطقة القنيطرة.
كل جندي سقط كان له بيت ينتظر عودته، وأم تنتظر صوته، وأبناء ربما ظلوا يبحثون طويلًا عن صورة أبيهم في ذاكرة الحرب، ولهذا فإن الحديث عن التجريدة المغربية لا ينبغي أن يكون مجرد حديث عن تحركات عسكرية ووحدات ومدرعات، بل عن رجال تركوا المغرب وبيوتهم، ووصلوا إلى الجبهة وهم يعرفون أن العودة ليست مضمونة.
لم تتوقف مساهمة المغرب عند الجبهة السورية، فبعد اندلاع الحرب، جرى إرسال قوة مغربية إلى الأراضي المصرية، إلا أن وصولها جاء في مرحلة متأخرة، بعد توقف المعارك الرئيسية على الجبهة المصرية، فلم تتح لها فرصة المشاركة الفعلية في القتال هناك، لكن دلالة الخطوة بقيت قائمة.
المغرب أراد أن يكون حاضرًا في الحرب، لا أن يكتفي بمراقبتها من بعيد.
وفي نوفمبر 1973، نال عدد من القادة المغاربة تكريمًا عسكريًا سوريًا تقديرًا لدورهم في الحرب، في إشارة إلى المكانة التي احتلتها التجريدة المغربية في الذاكرة العسكرية السورية آنذاك.
إنها قصة رجال جاءوا من المغرب إلى سوريا، وحملوا السلاح على أرض الجولان، ووقفوا إلى جانب جنود عرب في واحدة من أكثر لحظات التاريخ العربي توترًا، لم تكن المسافة بين الرباط والجولان مجرد آلاف الكيلومترات، كانت طريقًا قطعه جنود اختاروا أن يكونوا جزءًا من المعركة، ولهذا، فإن الاحتفاء بذكرى السادس من أكتوبر لا يكتمل باستحضار العبور المصري وحده، ولا باستعادة تفاصيل الجبهة السورية فقط، بل باستحضار كل من وقف في تلك الحرب إلى جانب القضية التي آمن بها، ومن بينهم أولئك المغاربة الذين تركوا بلادهم، وذهبوا إلى الجبهة، وعاد بعضهم، بينما بقي آخرون هناك إلى الأبد.
في ذكرى نصر أكتوبر، تبقى التجريدة المغربية واحدة من الصفحات التي تستحق أن تُروى، وأن يُعاد إليها الضوء، وأن يُقال لأبطالها: لم تُنسَ تضحياتكم.
