الدكتور نور هنري: الدمج التعليمي لذوي الإعاقة يحتاج إلى تشخيص دقيق وتأهيل المدارس ودعم مجتمعي مستدام
أكد الدكتور نور هنري دوس عضو وحدة دعم وقياس الجودة بمكتب وزير التربية والتعليم، أن دعم الأشخاص ذوي الإعاقة، ومن بينهم الأشخاص ذوو اضطراب طيف التوحد، يتطلب تكامل الجهود التعليمية والمجتمعية، والعمل على تهيئة المدارس وتطوير الوعي المجتمعي بحقوقهم وقدراتهم، بما يضمن دمجهم بصورة فعالة في المجتمع، ويتيح لهم فرصًا حقيقية للتعلم والمشاركة والإسهام في التنمية.
وأوضح الدكتور نور هنري أن أسر الأشخاص ذوي الإعاقة عانت لسنوات طويلة من ضعف الوعي المجتمعي بطبيعة الإعاقة واحتياجات أصحابها، مشيرًا إلى أن تطوير منظومة الدمج التعليمي في مصر أسهم في إحداث تحول في التعامل مع هذه القضية، لا سيما من خلال إدراج دعم ذوي الإعاقة والدمج ضمن الخطة الاستراتيجية لوزارة التربية والتعليم خلال الفترة من 2007 إلى 2012.
وأشار إلى أن هذه الخطة تضمنت التوسع في دمج الأطفال ذوي الإعاقات البسيطة بمدارس التعليم العام، مع التأكيد على ضرورة تهيئة البنية الأساسية للمدارس، وإنشاء غرف المصادر، وتدريب المعلمين والإدارات المدرسية، إلى جانب توعية الطلاب غير ذوي الإعاقة، بهدف تحويل المدارس إلى بيئات تعليمية مرحبة بالجميع.
وقال الدكتور نور هنري إن هذه الجهود أسهمت في تعزيز الوعي المجتمعي بقضية الإعاقة، مؤكدًا أن نجاح الدمج لا يتحقق بمجرد إلحاق الطفل بالمدرسة، وإنما يتطلب الالتزام بالمعايير المنظمة للعملية التعليمية، والتأكد من استعداد المؤسسة التعليمية لتلبية احتياجاته وقدراته.
نماذج تطبيقية بالتعاون مع اليونيسف
واستعرض الدكتور نور هنري تجربته في دعم تنفيذ نماذج الدمج التعليمي، موضحًا أن وزارة التربية والتعليم عملت على بناء نماذج تطبيقية لدمج الأطفال ذوي الإعاقات البسيطة بمدارس التعليم العام، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، بما ساعد على نقل مفهوم الدمج من الإطار النظري إلى التطبيق العملي في عدد من المحافظات.
وأضاف أنه تشرف بالمشاركة بصفته منسقًا تنفيذيًا في جهود تهيئة تلك المدارس عام 2009، تحت إشراف الدكتورة نيرمين النعماني، التي شغلت منصب مستشار وزير التربية والتعليم للتعاون الدولي آنذاك، مشيرًا إلى أهمية هذه التجربة في وضع نماذج عملية يمكن الاستفادة منها في تطوير منظومة الدمج التعليمي.
التشخيص الدقيق شرط أساسي لنجاح الدمج
وشدد الدكتور نور هنري على أن التشخيص الدقيق لقدرات الأطفال ذوي الإعاقة يمثل أحد أهم التحديات التي ينبغي التعامل معها بجدية، خاصة عند تحديد مدى ملاءمة الطفل للدمج في مدارس التعليم العام.
وأوضح أن تقييم القدرات العقلية وقياس معامل الذكاء يجب أن يتم على أيدي متخصصين مؤهلين، وفقًا للأدوات والمعايير المهنية المعتمدة، محذرًا من أن التسرع في إجراء التقييم أو عدم الدقة في تحديد مستوى القدرات قد يؤدي إلى نتائج لا تعكس احتياجات الطفل الحقيقية.
وقال إن بعض مسؤولي الدمج في مدارس التعليم العام يشيرون إلى وجود حالات لا تتناسب قدراتها الفعلية مع درجات الذكاء المثبتة في أوراقها، الأمر الذي قد يحول دون استفادتها من برامج الدمج بالشكل المطلوب.
وأضاف أن عدم دقة التشخيص قد يضع الطفل وأسرته أمام صعوبات تعليمية ونفسية، وقد يؤدي إلى تعثر مسيرته التعليمية، فضلًا عن حرمان أطفال آخرين تتناسب قدراتهم مع متطلبات الدمج من فرص الالتحاق بالبرامج المناسبة.
وأكد أن تحديد المسار التعليمي لكل طفل يجب أن يستند إلى تقييم مهني شامل لاحتياجاته وقدراته، بما يضمن توفير البيئة التعليمية الأكثر ملاءمة له، سواء في مدارس التعليم العام أو مدارس التربية الخاصة، وفقًا لطبيعة الإعاقة ومستوى الدعم المطلوب.
التمويل وتأهيل المدارس ضرورة لا غنى عنها
ولفت الدكتور نور هنري إلى أن تطوير منظومة الدمج يتطلب توفير موارد مالية كافية لتأهيل المدارس العامة، وتجهيزها بالبنية الأساسية والأدوات التعليمية المناسبة، إلى جانب تدريب الكوادر التعليمية والإدارية على التعامل مع الطلاب ذوي الإعاقة.
وأشار إلى أن تحقيق هذا الهدف يستلزم تعزيز التعاون بين وزارة التربية والتعليم ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الدولية، لتوفير الدعم اللازم وتوسيع نطاق تطبيق النماذج الناجحة في مختلف المحافظات.
وأكد أن الاستفادة من التجارب التطبيقية التي نُفذت بالتعاون مع اليونيسف يمكن أن تمثل نقطة انطلاق لتطوير المدارس، شريطة توفير التمويل اللازم وضمان استدامة التجهيزات والتدريب، وعدم الاكتفاء بتطبيق نماذج محدودة النطاق.
من الرعاية إلى المشاركة الفاعلة في المجتمع
وفيما يتعلق بدور المجتمع، شدد الدكتور هنري على أن التوعية المجتمعية تمثل ركيزة أساسية لإنجاح دمج الأشخاص ذوي الإعاقة، بمن فيهم الأشخاص ذوو اضطراب طيف التوحد، مؤكدًا ضرورة تغيير الصورة الذهنية السائدة عنهم، وإبراز مهاراتهم وقدراتهم وإمكاناتهم في مختلف المجالات.
وأوضح أن التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة ينبغي ألا يقتصر على تقديم الرعاية والمساندة لهم، بل يجب أن يمتد إلى الاعتراف بقدراتهم على المشاركة والإنتاج والإسهام في تطوير المجتمع، من خلال إتاحة الفرص المناسبة لهم واستثمار مهاراتهم.
وأشار إلى أن تعزيز حضور الأشخاص ذوي الإعاقة في الحياة التعليمية والاجتماعية والمهنية من شأنه أن يسهم في تصحيح المفاهيم الخاطئة، وترسيخ ثقافة تقوم على احترام الحقوق وتكافؤ الفرص، بدلًا من النظر إليهم باعتبارهم فئات تحتاج إلى الدعم فقط.
واختتم الدكتور نور هنري بالتأكيد على أن التحول الحقيقي في دعم الأشخاص ذوي الإعاقة يبدأ من تحسين الصورة الذهنية للمجتمع تجاههم، والتعامل معهم باعتبارهم مواطنين لهم حقوق وعليهم التزامات، ولديهم إمكانات يمكن أن تسهم بفاعلية في تطوير مجتمعاتهم.
وشدد على أن مسؤولية تحقيق هذا التوجه لا تقع على المؤسسات التعليمية وحدها، وإنما تتطلب مشاركة مجتمعية واسعة، وتكاملًا بين الجهات الحكومية والمؤسسات الدولية والمجتمع المدني والأسر، لضمان دمج حقيقي ومستدام يتيح للأشخاص ذوي الإعاقة فرصًا عادلة في التعليم والمشاركة المجتمعية.
