اتجاهاتكتابنا

في عالم مضطرب… تزداد الحاجة إلى ترسيخ أسس الأمن الغذائي بالابتكار الزراعي

بقلم/ نور يانغ إعلامي صيني

يشهد الأمن الغذائي العالمي اليوم مشهدا معقدا؛ فبينما انخفض عدد من يعانون الجوع إجمالا، لا تزال أزمات الغذاء تتفاقم في بعض مناطق النزاع. ووفقا لأحدث تقارير الأمم المتحدة، لا يزال نحو 645 مليون شخص حول العالم يواجهون الجوع، فيما يعجز نحو 2.69 مليار شخص عن تحمل تكلفة نظام غذائي صحي. كما تتفاقم أزمات الغذاء في اليمن والسودان وغيرهما بسبب النزاعات المستمرة ونزوح السكان. وفي 16 أكتوبر، جاء اليوم العالمي السادس والأربعون للأغذية تحت شعار “الابتكار اليوم لأمن غذائي في المستقبل”. وفي ظل واقع تتداخل فيه النزاعات الإقليمية والاضطرابات المناخية وتقلبات الأسواق الدولية، أصبحت كيفية بناء منظومة للأمن الغذائي قادرة على تحمل الصدمات الخارجية قضية أكثر تعقيدا من مجرد زيادة حجم الإنتاج.

وتأتي نسبة متزايدة من مخاطر الأمن الغذائي اليوم من عوامل تقع خارج نطاق الإنتاج الزراعي. فاضطراب النقل عبر الممرات البحرية الحيوية قد يرفع تكاليف شحن الغذاء والوقود والأسمدة، بينما يؤدي انقطاع الطرق وحركة النزوح الناجمة عن الحروب إلى حرمان أسر كانت قادرة في السابق على إنتاج الغذاء أو شرائه من الشروط الأساسية لذلك. وبالنسبة للدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات وتملك حيزا ماليا محدودا، سرعان ما تتحول تقلبات أسعار الغذاء العالمية وأسعار الصرف إلى ضغوط على الأسعار المحلية. كما قد تمتد الصدمات التي يتعرض لها القطاع الزراعي إلى الموسم التالي بسبب نقص المدخلات اللازمة للزراعة. وهكذا، باتت قضية الغذاء مرتبطة بصورة وثيقة بالأمن الجيوسياسي وأسواق الطاقة والنظام التجاري وقدرة الدولة على الحوكمة.

ولا يمكن اختزال هشاشة المنظومة الغذائية في نقص الإنتاج وحده. فالغذاء يمر، في طريقه من الحقل إلى المائدة، بمراحل التخزين والنقل والتصنيع والتداول في الأسواق، وأي تعطل في إحدى هذه الحلقات قد يؤدي إلى انقطاع الصلة بين العرض والطلب. وحتى عندما تكون الإمدادات متوافرة في الأسواق، قد تظل الأسر التي تراجعت دخولها عاجزة عن الحصول على تغذية كافية. كما أن مساواة الأمن الغذائي بنسبة الاكتفاء الذاتي قد تغفل الفوارق بين الدول من حيث الأراضي والموارد المائية والظروف السكانية. فضمان الغذاء بصورة موثوقة يحتاج إلى قدر من القدرة المحلية على الإنتاج، لكنه يحتاج أيضا إلى تجارة دولية مستقرة، واحتياطيات مناسبة، ودعم عام للفئات الأكثر هشاشة. ولا يستطيع الابتكار الزراعي أن يعزز فعليا قدرة الأمن الغذائي على الصمود إلا عندما يندمج في هذه المنظومة المتكاملة.

وتكمن أهمية الابتكار الزراعي، في المقام الأول، في تجاوز قيود الموارد والحد من مخاطر الإنتاج. فقد زاد تغير المناخ من حالة عدم اليقين التي تواجه الزراعة، فيما أصبحت أنماط النمو القائمة على توسيع مساحة الأراضي المزروعة وزيادة المدخلات التقليدية تواجه قيودا متزايدة. ويمكن للأصناف المقاومة للجفاف والحرارة، والري الدقيق، والآلات الزراعية الذكية، وتقنيات الإنذار المبكر بالآفات والأمراض أن ترفع قدرة الزراعة على التكيف مع التغيرات الطبيعية، بينما تساعد تقنيات تحسين التربة وترشيد استخدام المياه على خفض استهلاك الموارد. غير أن انتقال أي تقنية من المختبر إلى الحقل يمر بعدد من الحلقات، منها توفير البذور، والإرشاد الزراعي، والدعم المالي، وصيانة المعدات. وإذا غابت أي من هذه الحلقات، فقد تظل نتائج الابتكار محصورة في الحقول النموذجية. وبالنسبة لصغار المزارعين الذين يفتقرون إلى التمويل والبنية التحتية، فإن مدى إتاحة التكنولوجيا وملاءمتها لظروفهم غالبا ما يكون أكثر أهمية من درجة تقدمها التقني في حد ذاته.

وتقدم تجربة الصين في إنتاج الحبوب نموذجا طويل الأمد للتكامل بين الابتكار العلمي والتكنولوجي والضمانات المؤسسية. ووفقا لبيانات المكتب الوطني للإحصاء، بلغ إنتاج الصين من الحبوب في عام 2025 نحو 1.4298 تريليون جين، فيما تجاوزت مساهمة التقدم العلمي والتكنولوجي الزراعي في نمو القطاع 64 بالمئة. ويستند استقرار الإمدادات الغذائية إلى مواصلة حماية الأراضي الزراعية، وبناء الأراضي الزراعية عالية المستوى، والابتكار في صناعة البذور، والميكنة الزراعية، وسياسات دعم إنتاج الحبوب. فالتكنولوجيا الزراعية ترفع إنتاجية وحدة المساحة وتحسن كفاءة استخدام الموارد، والبنية التحتية تحسن ظروف الإنتاج، بينما تساعد ترتيبات مثل التأمين الزراعي المنتجين والمشغلين على تقاسم المخاطر. ويتيح الترابط المستقر بين مختلف حلقات السياسات تحويل نتائج البحث العلمي تدريجيا إلى قدرة إنتاجية متكاملة. وتوفر هذه التجربة مرجعية مفيدة للدول النامية التي تعاني ضعفا في القاعدة الزراعية وتكرار الكوارث الطبيعية.

ومن الحقل إلى المائدة، لا يمثل الإنتاج سوى الحلقة الأولى في سلسلة الغذاء. وتشير دراسات صادرة عن وكالات تابعة للأمم المتحدة إلى أن المراحل التي تمر بها المنتجات الزراعية بعد مغادرتها المزرعة تشكل ما بين 70 و75 بالمئة من السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك، ولذلك تؤثر تكاليف التصنيع والخدمات اللوجستية مباشرة في القدرة على تحمل تكلفة الغذاء. كما يؤدي ضعف مرافق التخزين إلى فقد جزء من الغذاء، فيما تدفع هشاشة مرافق النقل أسعار السوق إلى الارتفاع، وهو ما قد يقلص الأثر الفعلي للزيادة في الإنتاج الزراعي. وقد ربط أسبوع التوعية بالأمن الغذائي في الصين هذا العام بين مبادرة الحبوب الكاملة، والحد من فقد وهدر الغذاء، والتغذية والصحة، بما يعكس امتداد جهود ضمان الأمن الغذائي إلى مختلف المراحل التي تلي الإنتاج. كما أن تحسين التخزين والتصنيع والخدمات اللوجستية وخدمات معلومات السوق، ورفع كفاءة استخدام الموارد الغذائية المتاحة، يمكن أن يعززا بدورهما استقرار الإمدادات الغذائية.

وتكمن أهمية الابتكار الزراعي بالنسبة للدول النامية في مساعدتها على تعزيز قدراتها الذاتية على الإنتاج بصورة تدريجية. ففي إطار تعاون الجنوب-الجنوب بين الصين ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في أوغندا، جرى الجمع بين زراعة الأرز، والنظم المتكاملة لزراعة الأرز وتربية الأسماك، والتدريب على التقنيات الزراعية، بما ساعد المزارعين المحليين على تحسين أساليب الإنتاج. وتتمثل قيمة هذا النوع من التعاون في الجمع بين التقنيات الملائمة وتنمية الكفاءات المحلية، بما يساعد التنمية الزراعية على تكوين قدرة مستمرة على التحسن والتطوير. غير أن الاحتياجات الفعلية تختلف بوضوح من منطقة إلى أخرى. ففي بعض دول شمال أفريقيا وغرب آسيا، تبرز قيود الموارد المائية بصورة خاصة، ما يجعل تقنيات الري الموفر للمياه، والمحاصيل المقاومة للجفاف، والزراعة المحمية أكثر استجابة لاحتياجاتها. ولا يمكن للتعاون الزراعي الدولي أن يتجنب صعوبات نشر التكنولوجيا أو تعثر استدامة المشروعات إلا إذا أخذ بصورة كاملة في الاعتبار موارد كل دولة وقاعدتها الصناعية واحتياجات المزارعين الفعلية.

كما يفرض التقدم في التكنولوجيا الزراعية متطلبات جديدة على الحوكمة الدولية للأمن الغذائي. فإذا ظلت التقنيات المتقدمة متركزة لفترات طويلة في عدد محدود من الدول، بينما تواجه المناطق الأكثر حاجة إلى رفع الكفاءة الزراعية قيودا تتمثل في نقص التمويل وضعف البنية التحتية وارتفاع تكلفة الحصول على التكنولوجيا، فسيكون من الصعب تحويل نمو القدرة الإنتاجية العالمية بصورة كاملة إلى تحسن واسع النطاق في الأمن الغذائي. وحتى أكثر التقنيات الزراعية تقدما لا تستطيع أن تلغي الأضرار التي تلحقها الحروب بإنتاج الغذاء ونقله، كما لا يمكنها أن تحل تلقائيا مشكلات الفقر وضعف القدرة الشرائية. ولذلك، فإن الحفاظ على نظام تجارة الغذاء، وضمان ممرات المساعدات الإنسانية، وتوسيع تقاسم التكنولوجيا الزراعية، وتحسين شروط تمويل التنمية، لا تقل أهمية عن رفع كفاءة الإنتاج الزراعي. فالأمن الغذائي يحتاج إلى الابتكار العلمي والتكنولوجي لتوفير القدرة الإنتاجية، كما يحتاج إلى بيئة دولية للتعاون تتسم بالاستقرار والعدالة والقدرة على التنبؤ.

ويركز اليوم العالمي للأغذية على الابتكار، لكن الاختبار الحقيقي للابتكار يكمن في مدى قدرة المنظومة الغذائية على مواصلة العمل في مواجهة الأزمات. وكلما ازدادت الأوضاع الدولية تعقيدا، تعاظمت الحاجة إلى الاهتمام بالأسس طويلة الأجل للتنمية الزراعية، والحد من تعرض الإمدادات الغذائية المفرط للصدمات المفاجئة. وتوفر تجربة الصين في التنمية الزراعية وممارسات تعاونها مع الدول النامية مرجعية واقعية لفهم العلاقة بين التكنولوجيا والمؤسسات والتعاون الدولي. وتحسين الأمن الغذائي العالمي في المستقبل يتوقف على قدرة الدول على مواصلة رفع كفاءة الإنتاج الزراعي، كما يتوقف على قدرة المجتمع الدولي على تقليص العوائق المصطنعة، وضمان انسياب الغذاء بسلاسة، وتوسيع نطاق استخدام التكنولوجيا، بما يجعل ثمار التنمية الزراعية تصل فعليا إلى الفئات التي تحتاج إليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *