لم أكن ملكا لدولة عريقة فقط…
بقلم بديعة الراضي
لم أكن ملكا لدولة عريقة فحسب، كنت حارسا لبيت كبير، ائتمنني التاريخ على سقفه، وأودعني مفاتيح أبوابه، وحملني مسؤولية صيانة جسوره الممتدة بين الأرض والذاكرة، وبين الأجيال التي عبرت من هنا وتلك التي تنتظر دورها في العبور. لم تكن الصحراء في عيني مساحة على أطراف الجغرافيا، ولا فراغا يمكن أن تملأه خرائط الآخرين، بل كانت امتدادا للروح، وقطعة من حكاية وطن، وعهدا حملته القلوب قبل أن تحفظه الوثائق. ولذلك لم يكن الدفاع عن بيتي الكبير مجرد موقف سياسي، بل وفاء لوعد تاريخي ومسؤولية لا تسقط بتغير الأزمنة ولا بتبدل موازين القوة.
وحين ألقوا بي في البئر، ظنوا أن العمق سيبتلعني، وأن العتمة ستفصلني عن جذوري، وأن طول الانتظار سيجعلني أساوم على ما أحمله من أمانة. لم يدركوا أنني لم أكن أحمل نفسي وحدها، بل كنت أحمل وطنا بأكمله، وأن البئر، مهما اتسعت، لا تستطيع أن تستوعب تاريخ أمة. والبئر الذي رفض دفني لم يجعل الطريق سهلا أمام إرادة لم تتعلم الاستسلام؛ كانت جدرانه عالية، وقاعه مثقلا بأصداء المحاولات القديمة، وكانت كلما اشتدت العتمة ازدادت قناعتي بأن الخروج لا يكون بالتخلي عما آمنت به.
وفي ذلك العمق، ظهر شعبي ، فبدأ يعانقونني واحدا واحدا ، في مشهد جعلني أرى أمامي سبعة أبواب، لكل باب وعده وحساباته ومخاطره؛ بعضها يفتح على مخارج سريعة، وبعضها يغري بتسويات تبدو مريحة، وبعضها يطلب من العابر أن يترك خلفه شيئا من ذاكرته أو يتنازل عن جزء من التزامه حتى يسمح له بالمرور. تأملت الأبواب طويلا، فقد كنت أعرف أن السياسة فن الممكن، وأن الدول لا تعيش خارج حسابات العالم وتوازناته، لكنني كنت أعرف أيضا أن الممكن لا ينبغي أن يتحول إلى تفريط، وأن الحكمة ليست في كثرة الأبواب التي تفتح أمامنا، بل في معرفة الباب الذي لا يضيع عنده الحق. لم أرفض الحوار، ولم أغلق نوافذ الحل، ولم أتنصل من التزامات قطعتها على نفسي أمام العالم، لأن قوة الدولة لا تكمن في قدرتها على التشبث بمواقفها وحدها، بل في قدرتها على الوفاء بما تلتزم به، وفي أن تظل كلمتها موضع ثقة، حتى وهي تدافع عن حقوقها، فالعهود ليست أثقالا نتخلص منها حين تضيق الطرق، والالتزامات ليست أوراقا نطويها حين تتغير الظروف، إنها جزء من شرف الدولة ومن احترامها لنفسها قبل احترام الآخرين لها.
لهذا اخترت أنا الملك الذي بدا للعالم أنه صامت، الباب الذي كان أبعدها عن القاع، لم يكن الأقرب ولا الأسهل، ولم تكن نهايته مضمونة في حسابات المتعجلين، لكنه كان الباب الذي يجمع بين الوفاء للحق والوفاء بالعهد، وبين صيانة السيادة واحترام الالتزامات، وبين الثبات على المبدأ والإيمان بأن الحل العادل لا يبنى على إنكار التاريخ، بل على الاعتراف بحقائق الأرض وإرادة أهلها. وفي صعودي لم أستعر سلما من أحد، ولم أنتظر أن يحملني الآخرون إلى الأعلى، جعلت من صلابة الجدران درجات، ومن صبر الزمن قوة، ومن كل محاولة حصار درسا جديدا. لم أكن أصعد لأثبت أنني أقوى ممن ألقوا بي، بل لأثبت أن البيت الذي أحرسه أقوى من كل محاولات تفكيكه.
كانوا يراقبونني من بعيد، يراهنون على أن تعدد الأبواب سيشتتني، وأن اختلاف المصالح سيطيل إقامتي في القاع، وأن الزمن سيجعلني أقبل بما لم أكن لأقبله في بداية الطريق. لكنهم لم يدركوا أنني كنت أراكم، مع كل خطوة، أسباب الخروج، وأن العالم نفسه كان يعيد النظر في حقيقة ظلت طويلا أسيرة أوهام قديمة. وحين بدأ الضوء يتسلل من أعلى البئر، لم يكن انتصاري في أنني وجدت طريقا إلى السطح فحسب، بل في أنني لم أضطر إلى خيانة عهد، أو إنكار تاريخ، أو التفريط في أمانة. كنت أخرج وأنا أحمل ما دخلت به، من حق لا يسقط بالتقادم، وذاكرة لا تمحوها المسافات، والتزاما بأن يظل الحل في إطار يحفظ الكرامة ويصون وحدة الوطن.
عندها أدركت أن الانتصارات الكبرى لا تأتي دائما بصوت مرتفع، بعضها ينضج في صمت الدبلوماسية، وفي صبر المفاوضات، وفي تراكم المواقف، وفي قدرة الدولة على تحويل الزمن من خصم إلى حليف، والاختلاف من عائق إلى فرصة، والالتزام من قيد يتوهمه البعض إلى مصدر قوة وثقة. لم يكن البئر قبرا، بل كان امتحانا، ولم تكن الأبواب السبعة مخارج متساوية، بل كانت اختبارا لمعنى الاختيار حين يتعلق الأمر بوطن. أما الضوء الذي انتظرته فلم يكن ضوء النجاة وحدها، بل ضوء مرحلة جديدة يصبح فيها الحق أكثر وضوحا، وتصبح المسؤولية أكبر من مجرد الاحتفال بالانتصار.
فالصحراء لم تكن يوما تفصيلا في خريطة حتى تكون العودة إليها مجرد تصحيح لحدود، إنها جزء من حكاية المغرب، ومن ذاكرته ، ومن مستقبله الذي لا يكتمل إلا بوحدته. لقد أوفيت بما التزمت به، وصنت ما ائتمنني عليه التاريخ، ولم أخلط بين المرونة والتنازل، ولا بين الحوار والتراجع، ولا بين السلام والتفريط. تركت لهم سبعة أبواب، فاخترت الباب الذي لا يخرجني من التاريخ، ولا يخرج التاريخ مني. ولأنني لم أكن ملكا لدولة عريقة فقط، بل كنت مؤتمنا على وطن، فإن انتصاري الحقيقي لم يكن في مغادرة البئر، بل في أن أخرج منه دون أن أترك خلفي عهدا مكسورا، أو أرضا منسية، أو حقا معلقا.
أنا ملك شعب وواحد منهم لهذا أقول:هي ليست حكايتي وحدي، بل حكاية وطن ظل وفيا لعهده، صبورا على طريقه، متمسكا بحقه، حتى صار الضوء الذي كان بعيدا حقيقة تطرق أبواب المستقبل.
