خاص: ندى صالح «التوحد طريق صعب لكن مش مستحيل… ونحتاج من الدولة الكثير خصوصا موضوع المدارس»
لم تبدأ رحلة ندى مع التوحد من لحظة التشخيص، بل من إحساس أمومي مبكر بأن شيئًا مختلفًا يحدث مع طفلها، وبين طبيبة أخبرتها بأن حالة ابنها «ليس لها علاج»، وعائلة تحولت إلى خلية بحث عن حلول، بدأت رحلة طويلة من التأهيل والتجارب والتحديات داخل المدرسة والمجتمع، وصولًا إلى مشاركة تجربتها مع أمهات أخريات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وفي حوارها مع الكاتبة هند الصنعاني، تستعيد ندى أصعب لحظات الرحلة، وتروي كيف أثّر التشخيص في حياتها وأسرتها، وما الذي تتمنى أن تقدمه الدولة للأطفال المصابين بالتوحد وأسرهم، مؤكدة رسالتها للأمهات: «التوحد مش نهاية المطاف».

السؤال الأول: ما أول شعور سيطر عليكِ عندما عرفتِ أن ابنكِ مصاب بالتوحد؟
في الحقيقة، لم تكن لحظة اكتشاف إصابة ابني بالتوحد صدمة بالنسبة لي، لأنني كنت أشك في ذلك قبل أن يتم تشخيصه رسميًا. كان أنس ابني الأول والوحيد، وكنت ألاحظ عليه بعض التصرفات التي بدت لي غريبة جدًا. كان يختبئ مني داخل الغرفة أو تحت الكراسي، ويلف نفسه بالستائر، وأحيانًا كنت أخاف من تصرفاته.
كنت أناديه فلا يستجيب لي، ولم يكن يتواصل معي بالشكل المعتاد، فبدأت أسأل نفسي هل يمكن أن يكون ابني مصابًا بالتوحد! في ذلك الوقت لم أكن أعرف حتى معنى الكلمة بشكل كامل، لكنني شعرت أن هناك شيئًا غير طبيعي.
أول ما فعلته أنني أخبرت أهلي بأنني أشك في إصابة أنس بالتوحد، وبدأت أقرأ وأبحث عن الأعراض. لكنه كان لا يزال صغيرًا جدًا، فقد كان عمره سنة ونصف تقريبًا، ولذلك كانوا يقولون لي: «أنتِ التي تحتاجين إلى العلاج، فالولد لا يعاني من شيء».
كنت أخبرهم مثلًا أنه يهز جسده أمام التلفزيون بطريقة غريبة، فيقولون لي إن هذا أمر طبيعي ويقوم به جميع الأطفال. وعندما كنت أخبرهم بأنه يختبئ في الظلام، كانوا يقولون إنه ربما يلعب.
لذلك لم تكن الصدمة الأولى كبيرة بالنسبة لي؛ لأنني كنت أنا من يحاول إقناع عائلتي بأن هناك شيئًا مختلفًا لدى ابني.
السؤال الثاني: متى كانت اللحظة التي شعرتِ فيها بالصدمة الحقيقية؟
كانت صدمتي الحقيقية عندما جلست مع طبيبة مخ وأعصاب، وقالت لي إن أنس لديه توحد شديد، وإن الأمر سيكون صعبًا، وقالت لي أيضًا إن هذا المرض ليس له علاج.
كان كلامها صادمًا جدًا بالنسبة لي، خصوصًا أنها كانت أستاذة كبيرة في مجال المخ والأعصاب. أعطتني وصفة طبية تحتوي على أدوية مهدئة وأدوية للصرع، وقالت لي إن الحالة ليس لها علاج.
خرجت من عندها وأنا أشعر بأن الأمل قد فقد تمامًا. هذا كان اليوم الذي بكيت فيه بشدة، وشعرت بأن مستقبلي ومستقبل ابني أصبحا مظلمين.
السؤال الثالث: كيف كان موقف عائلتك عندما بدأت الشكوك حول إصابة أنس بالتوحد؟
الحقيقة أن الله رزقني بعائلة وقفت إلى جانبي بشكل كبير. كنت أعيش في السعودية، ثم نزلت إلى مصر لأنني أردت أن أعرف ماذا يعاني ابني بالضبط.
عندما أخبرت والدتي وأختي بما يحدث، بدأت العائلة تلاحظ تصرفات أنس أيضًا. وفي أحد الأيام، اصطدم أنس بطاولة رخامية وأصيب في رأسه، لكنه لم يبكِ أو يُظهر استجابة واضحة للألم.
كانت خالاتي الأربع ووالدتي موجودات، وفجأة بدأ الجميع بالبكاء. لم أفهم ما الذي يحدث، فسألتهم عن السبب.
قالوا لي إن ما رأوه من أنس ذكّرهم بأطفال كانوا قد شاهدوا قصصًا عنهم في أحد البرامج التلفزيونية، وكان الحديث وقتها عن أطفال يعانون من التوحد.
ومنذ تلك اللحظة، أصبح الجميع مقتنعًا بأن هناك شيئًا يحتاج إلى الفحص والتقييم، وبدأت والدتي وأختي وخالاتي في البحث عن الأطباء والأخصائيين.
السؤال الرابع: كيف تعاملتِ العائلة مع مرحلة البحث عن التشخيص والعلاج؟
كان أنس أول حفيد في العائلة، ولذلك تحولت الأسرة كلها تقريبًا إلى خلية بحث عن حل. الجميع كان يريد أن يعرف ماذا يمكننا أن نفعل لمساعدته، ولم يكن لدينا وقت نضيعه.
بدأنا بالبحث عن أطباء مخ وأعصاب وأخصائيين، وأجرينا الفحوصات اللازمة، وكنا نحاول فهم ما يحدث لطفل لم يتجاوز عمره السنتين.
وأنا كنت أشعر بأن وجود هذه العائلة حولي نعمة كبيرة من الله؛ لأنهم لم يتركوني وحدي في مواجهة الأمر، بل كانوا جميعًا على قلب رجل واحد، هدفهم أن يساعدوا أنس قدر الإمكان.
السؤال الخامس: هل فكرتِ في الاستسلام في أي مرحلة؟
بالتأكيد مررنا بأيام صعبة جدًا. هناك أيام نشعر فيها بأننا في قمة قوتنا، وأيام أخرى تكون صعبة للغاية، وننهار ونشعر بأن الحياة توقفت، لكنني دائمًا كنت أقول لنفسي إنني لن أتوقف عن محاولة مساعدة ابني. سأظل وراءه حتى أراه في أفضل حال ممكن.
وحتى عندما أسقط أو أشعر بالعجز، أجد من يسندني. ومع مرور الوقت، أصبح لدي مجتمع من الأشخاص الذين يعيشون تجارب مشابهة، وهذه من الأشياء التي أعتبرها من حكمة الله؛ لأنني وجدت حولي أمهات مررن بالتجربة نفسها. ومع وجود الإنترنت، أصبح من الممكن أن نجد أشخاصًا كثيرين يشبهوننا، حتى إذا لم نجد الدعم الكافي في محيطنا القريب.
السؤال السادس: ما أصعب مرحلة مررتِ بها؟
أصعب مرحلة كانت البداية، مرحلة الصدمة والأسئلة الكثيرة: لماذا ابني! لماذا أصيب بالتوحد! لماذا حدث هذا لنا!…لكنني كنت محظوظة بأنني التقيت أشخاصًا أعادوا إليّ الأمل، خصوصًا بعد التجربة الصعبة التي مررت بها مع طبيبة المخ والأعصاب التي جعلتني أشعر بأن ابني لا أمل له، بعد ذلك قابلت أخصائيًا مختلفًا تمامًا في طريقة تعامله معي، جلس معي وقال لي إن هناك حلولًا يمكن تجربتها، وإن علينا أن نعمل ونحاول.
السؤال السابع: كيف بدأتِ تجربة الحمية الغذائية مع أنس؟
في إحدى المرات، قال لي الأخصائي: «هل تقومين بأنس بحمية تعتمد على تجنب القمح واللبن؟»، كان أنس وقتها كثير الحركة ولا يستطيع التركيز، وكان يجري باستمرار ولا يستقر في مكانه. أخبرته أن هذا أحد الأسباب التي جعلتني أشعر بأن هناك شيئًا غير طبيعي.
طلب مني أن أجرب إيقاف القمح واللبن لمدة أسبوع. في البداية لم أفهم المقصود تمامًا، وكنت أتساءل: ماذا سيأكل الطفل إذًا!!
بدأت أبحث وأقرأ عن الأمر، وقلت لنفسي إن أنس لا يزال صغيرًا، ويمكنني تجربة ما اقترحه الأخصائي، وبعد أن أوقفنا اللبن لفترة، نطق أنس أول كلمة له، رغم أنه لم يكن يتحدث من قبل. بالنسبة لي كانت هذه لحظة كبيرة جدًا، وجعلتني أتساءل عن العلاقة بين النظام الغذائي وحالة ابني.
السؤال الثامن: هل بدأتِ مشاركة تجربتك مع أمهات أخريات؟
نعم، وقبل أن أشارك تجربتي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كنت أتحدث عنها مع الأمهات في المراكز التي كان أنس يتلقى فيها جلساته، عندما كانوا يرون أنس ويسألونني عن سبب تحسنه، كانوا يعتقدون أنه يتلقى أدوية معينة، لكنني كنت أخبرهم أنني لا أعطيه أدوية، وإنما كنت أطبق معه نظامًا غذائيًا، إلى جانب بعض الأعشاب.
وعندما عدت إلى مصر، تكرر الأمر. كانت الأمهات يرون أنس ويسألنني عن الأدوية التي يتناولها، وكنت أخبرهن عن تجربتي مع النظام الغذائي والأعشاب وما كنت أطبقه معه.
وبمرور الوقت، أصبحت هناك مجموعة صغيرة من الأمهات نتبادل الحديث والتجارب فيما بيننا، وكنا نتحدث أثناء انتظارنا في المراكز عن أطفالنا وما يمكن أن يساعدهم.
السؤال التاسع: كيف بدأتِ الحديث عن تجربتك مع «البيوميديكال» عبر مواقع التواصل الاجتماعي؟
بدأت مشاركتي لهذه التجربة عندما كنت خارج مصر، وكان بعض أصدقائي يقولون لي: «ندى، أنتِ توقفتِ عن الحديث، ولم تعودي تتحدثين عن البيوميديكال، والأمهات في مصر لا يسمعن عنه تقريبًا».
لذلك بدأت أقرأ وأبحث وأترجم بعض المعلومات التي أجدها. في البداية أنشأت قناة على موقع «يوتيوب»، وكنت أتناول بعض المقالات وأترجمها، وكنت دائمًا أوضح أنني لست طبيبة، وأنني فقط أترجم وأشارك ما أقرأه.
تحدثت في البداية عن موضوعات مختلفة مرتبطة بالبيوميديكال، مثل البكتيريا والديدان والمعادن الثقيلة وغيرها، وكان هدفي أن أقدم للأمهات جانبًا آخر من التعامل مع التوحد، إلى جانب التدريب والتدخلات الأخرى.
السؤال العاشر: كيف تطورت تجربتك على مواقع التواصل الاجتماعي؟
مع الوقت، بدأ الناس يتجهون أكثر إلى «تيك توك» ومقاطع الفيديو القصيرة، فتطورت طريقة مشاركتي للمعلومات، بدأت أتحدث عن تجربتي الشخصية بشكل أكبر، فأقول مثلًا: «حدث مع ابني كذا، وجربنا معه كذا، وكانت النتيجة كذا»، لم أكن أقدم الأمر على أنه وصفة عامة للجميع، وإنما كنت أشارك ما حدث معي ومع ابني، وأقول للناس: هذه تجربتي، وإذا حدث معكم شيء مشابه فاستفيدوا منها، وإذا لم يحدث فلا يعني ذلك أنها ستنجح مع الجميع.
السؤال الحادي عشر: هل تعرضتِ لانتقادات بسبب حديثك عن البيوميديكال؟
نعم، تعرضت لانتقادات كثيرة، وكان هناك من يقول إن ما أتحدث عنه ليس له أساس علمي أو أنه غير مثبت علميًا، لكنني كنت أرى الأمر من زاوية مختلفة. بالنسبة لي، كنت أتحدث عما جربته مع ابني وما لاحظته من نتائج. لم أكن أقول إن تجربتي تصلح بالضرورة لكل طفل، كنت أقول دائمًا إن هذه تجربتي الشخصية، وما حدث معي، ومن يرى أن الأمر مشابه لحالته يمكنه أن يبحث ويسأل المتخصصين، ومن لم يجد نتيجة مماثلة فلا داعي للاستمرار، وبالطبع كنت أتقبل وجود الشكوك والانتقادات، لكنني لم أكن أستطيع أن أوقف حياتي أو أتوقف عن البحث لمجرد أن هناك من ينتقدني.
السؤال الثاني عشر: هل توقفتِ عن الحمية في مرحلة من المراحل؟
نعم، في إحدى الفترات قلت لنفسي إنني أطبق الحمية منذ سنوات، وربما حان الوقت للتخفيف منها أو إيقافها لفترة، بدأت في إيقافها تدريجيًا، لكن أنس تعرض بعد ذلك لانتكاسة شديدة جدًا. وقتها شعرت أن التوقف عن الحمية كان له علاقة بما حدث معه، وقررت أن نستمر عليها، بالنسبة لي، أصبحت هذه تجربة شخصية جعلتني أعتقد أن هذا الأمر سيستمر معنا لفترة طويلة، لأنني كنت ألاحظ أن الأمور تتدهور عندما نتوقف.
السؤال الثالث عشر: ما أبرز الصعوبات التي واجهتكِ مع أنس في المدرسة؟
المدرسة كانت ولا تزال تحديًا كبيرًا جدًا؛ لأن طريقة فهم الأطفال المصابين بالتوحد تختلف عن الأطفال الآخرين، في القراءة مثلًا، أنس لديه موهبة، والحمد لله يستطيع القراءة بشكل جيد، لكن المشكلة الأساسية تكون في الفهم والاستيعاب، أما الحساب، فكان يحتاج إلى طرق مختلفة في التعلم، ولذلك كنت أضطر إلى البحث عن مدرسين وأخصائيين في صعوبات التعلم لمساعدته.
المشكلة أن هذا النوع من الدعم لا يكون متوفرًا بالشكل الكافي داخل المدرسة. وحتى عندما تطلبين من مدرس الفصل أن يساعد طفلك بشكل فردي أو يعطيه درسًا إضافيًا بالطريقة التي تناسبه، قد يكون ذلك غير متاح، لذلك كنا نضطر إلى البحث خارج المدرسة عن شخص يستطيع مساعدته، لكن حتى هذا الأمر لم يكن سهلًا، لأنني كنت أجد أحيانًا أخصائيين أو مدرسين عاديين، وليس بالضرورة مدرسًا متخصصًا في صعوبات التعلم.
في النهاية، أصبح الهدف أحيانًا هو أن نفهم ما يُدرّس في المدرسة وأن نساعد أنس على اجتياز الامتحانات. الأشياء التي تعتمد على الحفظ كان يحفظها ويؤديها في الامتحان، لكن الوصول إلى تعليم متكامل يناسب قدراته كان تحديًا أكبر.
السؤال الرابع عشر: هل واجهتِ صعوبات عند التقديم لأنس في المدارس؟
نعم، كانت هناك صعوبات كبيرة جدًا في مرحلة التقديم للمدارس، مجرد أن تخبري بعض المدارس بأن ابنك مصاب بالتوحد كان كافيًا في بعض الأحيان لرفضه، بحجة أنهم لا يستقبلون الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
كانت هذه من أصعب العقبات التي واجهناها، والحمد لله أنني مع مرور الوقت استطعت تجاوز هذه المرحلة، رغم أنها كانت صعبة جدًا في وقتها.
السؤال الخامس عشر: كيف ترين نظرة المجتمع إلى الأطفال المصابين بالتوحد؟
هذا الموضوع يؤلمني كثيرًا، أحيانًا عندما ينظر شخص إلى أنس، خصوصًا إذا كان شخصًا أعرفه، مثل جارة أو صديقة قديمة، ثم يعبّر عن استغرابه من تصرفاته بطريقة تحمل استهجانًا، فهذا يؤلمني جدًا.
قد تنظر إليه وتقول: «لماذا يفعل ذلك؟» أو تنظر بطريقة تشعرني بأنها تستنكر تصرفه. هذه المواقف تقتلني من الداخل، وقد تعرضت لها مرات كثيرة.، ومع ذلك، غالبًا لا أُظهر رد فعل، وأحاول أن أتجاوز الأمر، أما إذا كان الشخص لا يعرف حالة أنس، ويبدو أنه لا يقصد الإساءة، فأشرح له بهدوء أن ابني مصاب بالتوحد.
مثلًا، أحيانًا يقترب أنس من السيارات ويضع وجهه بالقرب من الزجاج لأنه يريد النظر إلى الملصق الموجود عليه، وعندما يلاحظ الناس ذلك أقول لهم: «اعذروني، ابني مصاب بالتوحد».
والحمد لله، أشعر أن وعي المجتمع أصبح أفضل بكثير من السابق. كثير من الناس أصبحوا أكثر تفهمًا، وعندما أخبرهم بحالته يبتسمون ويقولون إنه لا توجد مشكلة.
ومع انتشار الحديث عن التوحد ووجود أطفال كثيرين لديهم تأخر أو يقومون بسلوكيات مختلفة، أصبح الناس في أغلب الأحيان أكثر تفهمًا.
السؤال السادس عشر: هل كان طريق البيوميديكال والتدخلات العلاجية سهلًا؟
لا، على الإطلاق. طريق البيوميديكال والتدخلات التي اتبعتها مع أنس لم يكن سهلًا، كنت أشعر أن التعامل مع أدوية المخ والأعصاب مختلف؛ لأن الطفل قد يحصل على دواء يهدئه وينتهي الأمر بالنسبة للبعض، أما ما كنت أفعله مع أنس، فكان يتطلب متابعة مستمرة والبحث عن الأسباب والمشكلات الصحية التي كنت أعتقد أنها مرتبطة بتغير حالته.
كنت أجري له تحاليل مختلفة، وفي بعض المرات تظهر نتائج إيجابية لأمور صحية مختلفة. وعندما تحدث له انتكاسة سلوكية، كنت أبحث عن أسباب جسدية محتملة.
في إحدى المرات، مثلًا، ظهرت لديه مشكلات صحية، وقيل إن لديه تضخمًا في الكبد والطحال وارتفاعًا في إنزيمات الكبد، إلى جانب أمور أخرى، وبالنسبة لي، كانت هذه التجارب تجعلني أشعر بأن التغيرات السلوكية التي يمر بها أنس مرتبطة بحالته الجسدية.
لذلك أرى أن هذا الطريق ليس مفروشًا بالورود، بل يحتاج إلى جهد كبير، والبحث المستمر عن حلول ومتابعة الطفل بشكل دائم.
السؤال السابع عشر: هل أثرت رحلة أنس في حياتك الشخصية والعملية؟
في بداية رحلة أنس، كان هو حياتي كلها تقريبًا، ولذلك أهملت نفسي بشكل كبير، كنت قد أخذت إجازة من عملي من دون راتب، على أمل أن أعود إليه بعد أن يكبر ابني قليلًا، لكن مع مرور الوقت قررت الاستقالة وترك العمل تمامًا، كنت أقول لنفسي إنني «مكرسة حياتي لابني»، وأنني لا أستطيع أن أترك رعايته لشخص آخر، الأطفال عادةً يكبرون ويبدأون في الاعتماد على أنفسهم تدريجيًا، لكنني كنت أشعر أن أنس يعتمد عليّ بشكل كامل، ولذلك لم أكن أستطيع أن أبتعد عنه.
بالطبع أهملت نفسي لفترة، وأصبح تركيزي بالكامل تقريبًا على أنس، لكنني كنت أشعر أن هذا هو الشيء الذي يجب أن أفعله في تلك المرحلة، والحمد لله، مع مرور الوقت بدأت أتعلم كيف أتعامل مع الأمر وأواصل حياتي إلى جانب رعايتي له.
السؤال الثامن عشر: كيف كان موقف أسرتك من تجربتك مع أنس؟
الحمد لله، كل من حولي دعمني، بداية من والدتي وأخواتي وزوجي، ربنا يحفظهم جميعًا. لم أواجه أي صعوبات من هذه الناحية، لأنهم رأوا بأنفسهم حالة أنس في البداية، ثم شاهدوا التحسن الذي طرأ عليه مع الوقت، كانوا يرون أنه يتحسن ويتقدم، ولذلك أصبحوا يقولون لي: «لا، ندى ليست مجنونة، هي تفعل أشياء صحيحة»، ومع الوقت، عندما كنت ألاحظ شيئًا معينًا لدى أنس، كنت أحاول أن أثبته من خلال التحاليل والفحوصات. فمثلًا، إذا ظهرت عليه أعراض معينة، كنا نذهب لإجراء التحاليل، وعندما تظهر النتيجة، كان من حولي يرون أن ما كنت ألاحظه لم يكن مجرد تخمين، للأسف، أشعر أحيانًا أن الأم تضطر دائمًا إلى إثبات ما تقوله، لكن الحمد لله أن عائلتي كانت داعمة لي طوال الوقت.
السؤال التاسع عشر: ماذا تقولين لأم عرفت للتو أن طفلها على طيف التوحد وتشعر بالخوف من المستقبل؟
أقول لها بصدق لا تخافي، ربنا يعطي الإنسان الحمل على قدر قدرته على تحمله. مهما كانت صدمتك، ومهما بكيتِ وشعرتِ بالخوف، ستجدين أن الله يمنحك القوة والرحمة والصبر، وستجدين الإجابات والحلول مع الوقت، ولا يشترط أن تكون تجربتك مثل تجربتي أو أن تتبعي الحمية أو أي شيء آخر تحدثت عنه. هناك أمهات ركزن على التدريب والتأهيل، وبعضهن تدربن على العمل مع أطفالهن في المنزل، وتمكن أطفالهن من تحقيق تقدم كبير.
هناك أطفال تكون لديهم أسباب أو ظروف صحية مختلفة، وبعضهم يتحسن مع التدخلات المناسبة لحالتهم. وهناك أطفال استفادوا من التدريب إلى جانب العلاج الذي وصفه لهم الأطباء، المهم ألا تشعر الأم أن كل شيء انتهى بمجرد حصولها على التشخيص.
الدنيا تمر، وكل شيء يمر، وفي النهاية أمر الله نافذ، سواء رضينا أو لم نرضَ، وسواء خفنا أو لم نخَف، نحن علينا فقط أن نبذل الأسباب ونحاول أن نجعل حياة أطفالنا أفضل، وأقول لكل أم: لا تخافي. الله سيسندك من حيث لا تحتسبين.
حدثت أشياء كثيرة مع أنس، والله لم يكن لي أي تدخل فيها، ومع ذلك جاء الفرج في الوقت المناسب وتم إنقاذه.
أتذكر مثلًا موقفًا حدث في المدرسة، عندما اتصلت بي «الشادو» وهي تصرخ وتقول لي إنها لا تجد أنس داخل المدرسة. كنت أشعر أنني سأفقد وعيي من الخوف، وفجأة وجدت أنس قادمًا نحوي، هذه المواقف جعلتني أشعر كثيرًا برحمات الله.
لذلك أقول للأم: لا تخافي. الله هو السند. وكما أعطاكِ الله هذا الحمل، سيعطيكِ أيضًا القدرة على تحمله، وسيمنحكِ الحلول والنعم والصبر، توكلي على الله في البداية والنهاية.
السؤال العشرون: ماذا تحتاجين من الدولة بصفتك أمًا تخوض هذه التجربة يوميًا؟
نحتاج من الدولة إلى أشياء كثيرة جدًا. هناك بالفعل جهود وخدمات تُقدم، لكن المشكلة في رأيي أن بعضها لا يخضع للرقابة الكافية.
مثلًا، توجد مراكز مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة، لكننا نحتاج إلى رقابة حقيقية على هذه المراكز، وعلى آلية دخول الأطفال إليها، وعلى كيفية حصول الأسر على الخدمات، نحتاج إلى نظام واضح يضمن أن الطفل الذي يحتاج إلى الخدمة يحصل عليها فعلًا، وأن تكون هناك عدالة وشفافية في توزيع الأماكن والخدمات، كما نحتاج إلى منظومة واضحة تضمن حقوق الأطفال المصابين بالتوحد في التعليم.
السؤال الحادي والعشرون: ما الذي تتمنين تغييره في منظومة دمج الأطفال المصابين بالتوحد في المدارس؟
أتمنى أن تكون هناك إعادة هيكلة حقيقية لمنظومة الدمج، ليس المطلوب فقط أن يدخل الطفل المصاب بالتوحد إلى فصل عادي، ثم نضع بجانبه «شادو تيشر» ونعتبر أن المشكلة انتهت، الطفل يحتاج إلى بيئة تعليمية مناسبة لقدراته واحتياجاته.
في بعض الدول، توجد مدارس أو أقسام مخصصة للأطفال الذين يحتاجون إلى دعم إضافي، ويضم هؤلاء أطفالًا لديهم صعوبات تعلم أو فرط حركة أو توحد أو متلازمة داون وغيرها من الحالات التي تحتاج إلى أساليب تعليم مختلفة، يكون معهم مدرسون وأخصائيون مدربون، ويتم تقديم الدروس بطريقة تناسب قدراتهم، فالطفل الذي لا يستطيع الجلوس لفترة طويلة، مثلًا، يمكن أن يحصل على فترات راحة قصيرة بين الحصص، ويكون هناك نظام واضح للتعامل مع احتياجاته، أما عندنا، فكثيرًا ما يكون مفهوم الدمج هو وضع الطفل داخل الفصل مع بقية الأطفال، ثم مطالبة الأسرة بتوفير «شادو تيشر» فقط.
نحن بحاجة إلى نظام متكامل، بحيث يدخل الطفل المدرسة ويستمتع بالتعلم ويستفيد منه مثل بقية الأطفال، وفي الوقت نفسه لا يكون وجوده مصدر ضغط على المدرسين أو زملائه، عندما يكون الطفل في مكان مناسب، ومعه أشخاص مدربون يفهمون احتياجاته، يمكن التعامل مع سلوكياته بشكل أفضل، ويصبح أكثر أمانًا وقدرة على التعلم.
السؤال الثاني والعشرون: هل هناك خدمات أخرى تتمنين من الدولة تطويرها؟
بالتأكيد، هناك أمور كثيرة تحتاج إلى مراجعة وتطوير، ومن بينها مسألة السيارات المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة، هناك أمهات يضطررن إلى التنقل بأطفالهن بالمواصلات العامة، والانتقال بهم من مركز إلى آخر ومن جلسة إلى أخرى، لأنهن لا يستطعن توفير وسيلة نقل مناسبة، وأنا أتفهم أن هناك حالات حدث فيها استخدام خاطئ للتسهيلات الخاصة بذوي الاحتياجات، لكن هذا لا يعني أن يتم التعامل مع الجميع بالطريقة نفسها، يمكن للدولة أن تضع آليات رقابية تضمن وصول هذه التسهيلات إلى مستحقيها، فإذا حصل شخص على سيارة مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة، يمكن أن تكون هناك متابعة للتأكد من استمرار استخدامها للغرض الذي خصصت من أجله، وإذا ثبت أن شخصًا حصل عليها بشكل غير قانوني أو باعها بالمخالفة للقواعد، يمكن اتخاذ الإجراءات القانونية بحقه، لكن لا يجب أن تؤدي أخطاء بعض الأشخاص إلى حرمان جميع الأسر المستحقة من هذه الخدمات.
نحن كأمهات نحتاج إلى الكثير من الدولة، ونأمل أن تتطور الخدمات والرقابة والأنظمة بما يضمن لأطفالنا حقوقهم ويساعد الأسر على رعايتهم بشكل أفضل، وأتمنى أن يوفق الله كل من يعمل على تطوير هذه الخدمات، لأن الأسر التي تعيش هذه التجربة تحتاج فعلًا إلى دعم حقيقي ومستمر.

