“معلم السعادة”…المغربي ياسين سرموح يكتب درسا مختلفا
من قرية مغربية بسيطة في تاونات، خرج معلم شاب ليقدم درسا يتجاوز حدود الكتب والسبورات، أن الطفل لا يحتاج إلى من يلقنه فقط، بل إلى من يراه، يسمعه، يشعر به ويحمي إنسانيته، إنه الأستاذ ياسين سرموح، الذي استطاع بأسلوبه الإنساني ومبادراته الاجتماعية أن يتحول من معلم في مدرسة قروية إلى نموذج لقي إشادة واسعة على مواقع التواصل والإعلام المغربي.
في وقت تتكرر فيه من حين إلى آخر مشاهد مؤلمة داخل بعض المؤسسات التعليمية، كان آخرها مقطع متداول لمدرسة مصرية تظهر فيه وهي تعنف طفلا صغيرا رغم توسلاته، تأتي تجربة ياسين سرموح لتطرح سؤالا مختلفا تماما، ماذا لو فهم كل معلم أن الطفل الذي يقف أمامه ليس مجرد رقم في قائمة التلاميذ، ولا مجرد مستوى دراسي يجب رفعه، وإنما إنسان صغير يحمل خوفًا وأحلامًا واحتياجات قد لا يستطيع التعبير عنها!، ياسين سرموح اختار أن يقدم إجابته بالفعل.

لم يكتف المعلم الشاب المنحدر من تاونات بأداء مهمته داخل الفصل، أو بتقديم الدروس ومتابعة التحصيل الدراسي لتلاميذه، بل جعل من علاقته بهم مساحة للحب والثقة والتحفيز، وأطلق مبادرات اجتماعية وإنسانية سعى من خلالها إلى تخفيف معاناتهم وإدخال الفرح إلى حياتهم.
في العالم القروي الذي يعمل فيه، حيث قد تبدو المدرسة بالنسبة لبعض الأطفال الطريق الوحيد للخروج من دائرة الفقر والهشاشة والهدر المدرسي، أدرك سرموح أن مهمته أكبر من شرح درس أو تصحيح دفتر، أدرك أن عليه أن يجعل الطفل يحب المدرسة أولًا.
من هنا جاءت مبادراته الإنسانية، التي تحولت إلى قصص مصورة بهاتفه، ظهر خلالها وهو يتعامل مع تلاميذه بالابتسامة والاحتضان والاهتمام، ويحاول تحفيزهم على مواصلة الدراسة، ومقاومة الهدر المدرسي، وبناء علاقة تقوم على الثقة والاحترام.
ولم تمر تلك المبادرات مرورًا عابرا، فالمقاطع التي نشرها سرموح عبر مواقع التواصل الاجتماعي حظيت بنسب مشاهدة وتفاعل واسعة، وجذبت انتباه الرأي العام المغربي، بعدما رأى كثيرون فيها صورة مختلفة للمدرس الذي لا يكتفي بالوقوف أمام السبورة، وإنما ينزل إلى عالم الأطفال ويحاول أن يفهم احتياجاتهم ومخاوفهم وأحلامهم، حتى القناة المغربية الثانية 2M التفتت إلى تجربته، وخصصت له فقرة بعنوان «معلم السعادة» ضمن برنامج «ناس لخير»، سلطت خلالها الضوء على يومياته داخل المدرسة، وطريقة تعامله مع تلاميذه وأهالي الدواوير، وعلى علاقته التي تجاوزت حدود الفصل الدراسي إلى محيطه الاجتماعي.
لم تكن محبة الأطفال له وليدة الصدفة، فالرجل الذي نشأ في تاونات، وتحديدا بجماعة عين اكدح، قبل أن يكمل مساره التعليمي في مدينة فاس، يحمل تكوينا أكاديميا متنوعًا؛ فهو حاصل على الإجازة في العلوم الفيزيائية، إلى جانب إجازة في المساعدة الاجتماعية، كما أنه مدرب معتمد في السيكودراما والمسرح، وله تجربة مهمة في العمل الجمعوي، من بينها إدارة المخيمات الصيفية ورئاسة منظمة شباب في الواجهة، وهي خبرات انعكست بوضوح على طريقته في التواصل مع الأطفال وفهم عالمهم النفسي والاجتماعي.
تفسر هذه الخلفية جانبا من قدرته على بناء جسور مختلفة مع تلاميذه، فهو لا يتعامل مع الطفل باعتباره متلقيًا سلبيًا للمعلومة، وإنما باعتباره شخصية لها مشاعر واحتياجات وقدرات تستحق أن تُكتشف وتُرعى.
لم يتوقف عطاؤه عند تلاميذه، إذ امتدت مبادراته إلى أهالي الدواوير، من خلال مساهمات رمزية لفائدة بعض المحتاجين، مستندًا إلى تجربة طويلة في العمل الجمعوي وإلى قناعة بأن المدرسة لا يمكن أن تنفصل عن المجتمع الذي توجد فيه.

هنا تكمن أهمية تجربة ياسين سرموح، فالمعلم الحقيقي لا يترك أثره في ورقة الامتحان فقط، بل في شخصية الطفل، فقد ينسى التلميذ بعد سنوات اسم درس أومعادلة أو تاريخًا حفظه، لكنه قد يتذكر إلى الأبد معلمًا منحه ابتسامة في وقت كان يحتاج فيها إلى الأمل، أو مد له يد المساعدة عندما شعر بالعجز، أو جعله يؤمن بأنه قادر على الاستمرار.
في زمن أصبحت فيه الهواتف توثق كل شيء، ربما تكون إحدى أجمل الصور التي يمكن أن تصل إلى الناس هي صورة معلم يستخدم هاتفه لا لإظهار سلطته على الأطفال، وإنما لتوثيق لحظات الفرح التي يصنعها معهم، فالمعلم ياسين سرموح لا يقدم نموذجا مثاليا لأن المعلم ملاك، وإنما لأنه اختار أن يتذكر قبل كل شيء أن أمامه أطفالًا، والفرق كبير بين أن تدخل الفصل لتؤدي وظيفة، وأن تدخله وأنت تشعر بأن هؤلاء الصغار أمانة بين يديك.
بينما تثير مشاهد العنف داخل المدارس أسئلة مؤلمة حول حدود السلطة التربوية، وحول الطريقة التي ينبغي أن يتعامل بها الكبار مع الأطفال، تقدم تجربة سرموح الوجه الآخر للمهنة، الحزم دون قسوة، والانضباط دون إهانة، والتعليم دون قتل للطفولة…إنه نموذج افتقدناه كثيرا، يذكرنا بأن التربية ليست مادة إضافية في المنهج، وأن المدرسة ليست مكانًا لحشو عقول الأطفال بالمعلومات فقط، وإنما فضاء لبناء الإنسان.
من تاونات، استطاع ياسين سرموح أن يجذب الانتباه ليس بصخب أو شعارات، وإنما بما يفعله يوميًا مع الأطفال، ربما لهذا السبب وصلت قصته إلى أبعد من حدود فصله ومدرسته وقريته، لأن العالم، وسط كل الأخبار القاسية والمشاهد المؤلمة، لا يزال يبحث عن قصص تقول إن الخير ممكن، وياسين سرموح واحد من أولئك الذين اختاروا أن يقولوا ذلك بالفعل.
إذا كان هناك معلمون قد يعتقدون أن مهمتهم تنتهي عند انتهاء الحصة، فإن سرموح يثبت أن أجمل ما في التعليم يبدأ أحيانًا بعد انتهاء الدرس، تحية إلى كل معلم يرى في الطفل إنسانًا قبل أن يراه تلميذًا، وإلى ياسين سرموح الذي جعل من مهنته رسالة، ومن فصله مساحة للأمل، ومن تلاميذه سببًا إضافيًا ليكون إنسانًا قبل أن يكون معلمًا.
