«حرام عليكم… ضيعتوا فرص كتير لأولاد كان ممكن مستقبلهم يبقى أفضل»… مديحة الأنقر تفتح النار على منظومة دمج أطفال التوحد
حوار أجرته الكاتبة الصحفية هند الصنعاني مع مديحة الأنقر، أم الشاب مروان البالغ من العمر 22 عامًا والذي يعاني من اضطراب التوحد، معلمة اللغة الفرنسية والمدير التنفيذي لشركة EduFinder للخدمات التعليمية للأطفال غير ذوي الإعاقة وذوي الاحتياجات الخاصة.
ليست كل المعارك تُخاض في ساحات القتال، فهناك أمهات يخضن حروبًا يومية لا يسمع أحد أصواتها، ولا يرى العالم حجم الجروح التي تتركها في أرواحهن، حروب تبدأ بتشخيص التوحد، ولا تنتهي عند أبواب المدارس، بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع والعمل والقوانين، وتصل أحيانًا إلى أبسط الحقوق الإنسانية: أن يلعب الطفل، وأن يتعلم، وأن يشعر بالأمان، وأن يعيش طفولته دون أن يُهان بسبب اختلافه.
في هذا الحوار، لا تتحدث مديحة الأنقر من موقع الأم التي تروي حكاية ابنها مروان فحسب، وإنما من موقع امرأة عاشت 22 عامًا من التحديات، بين أحلام الأمومة وواقع التوحد، وبين محاولات الدمج المدرسي وعقبات المنظومة التعليمية، وبين طموحاتها المهنية ومسؤولياتها الأسرية، وصولًا إلى سؤال المستقبل الأكثر قسوة: من سيحمي ابنها عندما ترحل؟
تروي مديحة الأنقر تجربتها بصدق وجرأة، وتكشف كيف يمكن أن يتحول الدمج من حق يفترض أن يفتح أبواب التعليم أمام الأطفال إلى تجربة مرهقة للأسرة، عندما تغيب الكوادر المتخصصة والأدوات المناسبة والتأهيل الحقيقي.
وتضع مديحة المجتمع أمام مرآة قاسية، مستحضرة موقفًا لن تنساه، حين قيل لها إن ابنها لا يحق له اللعب مع الأطفال الآخرين، وإن مكانه داخل البيت، بل داخل قفص! موقف يلخص حجم المعاناة التي قد تواجهها أسرة لم تطلب سوى حق طفلها في أن يعيش مثل بقية الأطفال.
وفي مواجهة منظومة التعليم، تختصر مديحة رسالتها في كلمات موجعة: «حرام عليكم… إنتوا ضيعتوا فرصة، أو فرص كتير قوي لأولاد كتير قوي، كان ممكن مستقبلهم يبقى أفضل».
وبين ألم التجارب وخيبات الأمل، تتغير أحلام الأم، فلم تعد تنتظر معجزة أو تطورًا استثنائيًا، بل أصبح أقصى ما تتمناه أن يكون مروان بصحة جيدة، وأن يعيش آمنًا وسعيدًا، وسط أشخاص يتعاملون معه بإنسانية ويحفظون كرامته.
هذا حوار عن التوحد، لكنه في جوهره حوار عن مجتمع يُختبر في قدرته على تقبّل الاختلاف، وعن تعليم لا يكفي فيه أن يفتح أبوابه للأطفال، بل يجب أن يمنحهم فرصة حقيقية للتعلم، وعن أم لا تزال تحارب من أجل ابنها، حتى أصبح خوفها الأكبر ليس ما يواجهه اليوم، وإنما ما قد ينتظره غدًا في غيابها.
ما أول مشهد تتذكرينه في اللحظة التي بدأت فيها مواجهة التوحد؟
أول مشهد لا يمكن أن أنساه هو مشهد التشخيص، عندما ذهبت إلى أول طبيبة نفسية لتقييم حالة ابني، وأكدت لي أنه مصاب بالتوحد، دخلت في حالة من الإنكار، رغم أنني كنت أشك في ذلك بالفعل بحكم معرفتي السابقة بالتوحد وتعاملِي من خلال عملي مع طفل من ذوي التوحد، كنت أتمنى ألا يكون شكي في محله، ولذلك ذهبت إلى طبيبة أخرى فأكدت التشخيص.
كان ابني يبلغ سنتين وعشرة أشهر تقريبًا، ذهبت به إلى طبيب الأطفال الذي كان يتابعه منذ ولادته، وأخبرته أن ابني مصاب بالتوحد، ففاجأني بسؤال: «يعني إيه توحد؟»، كان الموقف كاشفًا لحجم غياب المعرفة بالتوحد آنذاك، حتى بين بعض الأطباء.
هل تغيّر الوضع خلال العشرين عامًا الماضية من حيث الوعي والخدمات؟
هناك فرق كبير بين ما كان عليه الوضع منذ عشرين عامًا وما نراه اليوم، في ذلك الوقت لم تكن المعرفة والوعي المجتمعي بالتوحد كما هما الآن، وكانت الخدمات أقل من حيث العدد والتطور، أهم تغيير لمسته هو زيادة الوعي، رغم أنني أتمنى أن يكون أكبر بكثير.
في الماضي كنت أتعرض لمواقف مزعجة يوميًا، حتى داخل منزلي، فعندما يصدر ابني أصواتًا مرتفعة أو يلقي شيئًا من الشرفة، كان بعض الجيران يعترضون وقد تتطور الأمور إلى مشكلات، اليوم أشعر بأن المجتمع أصبح أكثر وعيًا وإنسانية في كثير من المواقف، رغم أن المعاناة لم تنتهِ.
ما أهمية توعية أولياء أمور الأطفال الآخرين لإنجاح الدمج؟
توعية أولياء أمور الأطفال غير ذوي الإعاقة جزء أساسي من نجاح الدمج، لا يمكنني أن أطلب من الآخرين تقبل اختلاف ابني من دون أن أفكر في مشاعرهم ومخاوفهم، من الطبيعي أن يخاف الإنسان مما لا يعرفه، والمشكلة أن هناك تصورًا خاطئًا لدى بعض الناس بأن الأطفال ذوي الإعاقة قد يكونون مؤذيين.
إذا نجحنا في توعية أولياء الأمور داخل المدارس، فإننا لا نساعد فقط في الدمج، بل نساهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا وتقبلًا للاختلاف، الدمج الحقيقي يحتاج إلى بيئة تفهم الطفل وتحترمه.
كيف تعيش الأم الصراع بين المدرسة والمجتمع والقوانين ونظرة الناس؟
المعركة لا تقتصر على المجتمع والقوانين، بل قد تبدأ من داخل الأسرة، هناك من لا يزال يعتقد أن الأم هي السبب في إصابة طفلها بالتوحد أو أنها أهملته وتركته أمام الشاشات، وهكذا تجد الأم نفسها في مواجهة تبدأ من منزلها وتمتد إلى المدرسة والشارع.
مع السنوات اكتسبت قدرًا من المناعة تجاه نظرات الناس، كنت وما زلت فخورة جدًا بابني، وأراه طفلًا فريدًا ومعجزة، لكن المناعة لا تعني أن المعركة انتهت، فما زلت أواجه تحديات مع القوانين والممارسات المجتمعية والمدرسية.
هل تنتهي معاناة الأسرة مع التعليم عندما يكبر الطفل؟
لا تنتهي المعاناة بمجرد أن يكبر الطفل أو يحصل على شهادة، قد تبدأ تحديات جديدة تتعلق بالجامعة والعمل والاستقلال والمستقبل، هناك شباب يرغبون في الالتحاق بالجامعات لكنهم يصطدمون بتحديات تتعلق بالتسهيلات والدعم.
لا أعتبر نفسي خبيرة في ملف الجامعات لأن تجربة ابني مختلفة، لكن الأسرة تفكر في حياة ابنها عندما يكبر، وفي قدرته على إيجاد مكان مناسب في المجتمع والعيش بكرامة والحصول على فرص تتناسب مع قدراته واحتياجاته.
هل تتوافر فرص عمل حقيقية للشباب ذوي التوحد؟
هناك شباب كثيرون من ذوي التوحد، ومن بينهم ابني، يستطيعون العمل والإنتاج إذا أتيحت لهم فرص مناسبة، خصوصًا في التأهيل المهني والأعمال اليدوية، سمعت عن مبادرات للتوظيف وحاولت التواصل معها لاستقبال شباب مثل ابني وزملائه، لكنني لم أجد الاستجابة التي تمنيتها، أشعر أحيانًا بأن بعض المبادرات تبقى كلامًا إعلاميًا دون فرص مستدامة.
أخشى أن تقتصر فرص التوظيف على الشباب الأقرب في قدراتهم إلى أقرانهم غير ذوي الإعاقة، دون تأهيل من يحتاجون إلى تدريب أطول، بعض الأشخاص ذوي التوحد يميلون إلى التنظيم والدقة، فلماذا لا نحول هذه السمة إلى ميزة!..ففي بعض الدول يعمل أشخاص ذوو توحد في ترتيب المنتجات على الأرفف، المطلوب اكتشاف مهارات كل شاب وتوفير التدريب والبيئة المناسبين.
كيف كان شعورك عندما اصطدم حلم دمج ابنك في المدرسة بالواقع؟
كان حلمي أن يدخل ابني المدرسة ويندمج مع الأطفال، لكنني شعرت بإحباط كبير عندما اصطدمت بالواقع، وأحلام الأمهات لا تتوقف عند المدرسة، فهناك أحلام بأن يتكلم الطفل، وينظر في عيني أمه، ويتواصل معها، وأن يتغير المجتمع ويتقبل اختلافه.
لا أعتبر المدارس وحدها النقطة السوداء، بل أرى أن المجتمع هو التحدي الأوسع، أحيانًا أشعر بأن الدولة منحتنا حق الدمج، لكنها تضع أمامنا عقبات تجعل الاستفادة منه صعبة، نحن نحارب يوميًا، لكن لا ينبغي أن تتحول كل خطوة في تعليم أبنائنا إلى معركة.
وصفت المدرسة الحكومية بأنها “مكان غير آدمي”… هل ما زلت ترين الوضع على الحال نفسه؟
حديثي عن المدرسة الحكومية يعود إلى نحو 18 عامًا، وأتمنى أن تكون الأوضاع تغيرت، لم أدخل مدرسة حكومية مرة أخرى، لذلك لا أستطيع الحكم على واقع لم أعاينه مؤخرًا.
في تجربتي آنذاك، لم يكن المكان مهيأً، كانت البوابات مفتوحة، والملعب يضم عددًا كبيرًا من الكلاب، وشعرت بأنه أقرب إلى ساحة مفتوحة منه إلى مدرسة، كما لم أشعر بأن بعض الكوادر تمتلك المعرفة المناسبة للتعامل مع الأطفال، هذه شهادتي عن تجربة قديمة، ولا أريد تعميمها على جميع المدارس أو الجزم بأن الوضع الحالي كما كان.
هل كانت تجربتك مع المدارس الأمريكية أفضل؟
تجربتي مع المدارس الأمريكية لم تكن مثالية، كان تقديم ابني إلى المدرسة الحكومية إجراءً شكليًا للحصول على شهادة الدمج التي كانت تصدر آنذاك من المدارس الحكومية، المدرسة الأمريكية الأولى كانت أفضل من حيث المباني والأدوات وكان بها قسم للاحتياجات الخاصة، لكنني لم أستطع الاستمرار فيها أكثر من ثلاثة أشهر.
انتقلت إلى مدرسة أمريكية أخرى تقبل الأطفال ذوي الإعاقة بشرط وجود “معلمة ظل”الشادو تيتشر”، لكن تجربتي معه كانت سيئة، إذ لم يكن مؤهل بما يكفي وكان يتصل بي باستمرار ليسألني عن أسباب بكائه أو رفضه الجلوس في الفصل أو تناول الطعام، أدركت أن المباني الجيدة لا تكفي، وأن نجاح التجربة يعتمد على الأشخاص المؤهلين وقدرتهم على فهم الطفل.
لماذا اخترت مدرسة متخصصة بدلا من الدمج؟
قراري لم يكن رفضًا للدمج في حد ذاته، بل نابعًا من تجربتي ورغبتي في اختيار البيئة الأنسب لاحتياجات ابني، هو غير ناطق، وكنت أخشى أن يكون طوال اليوم وسط أطفال يتحدثون ويتواصلون ويلعبون بصورة طبيعية بينما لا يستطيع التواصل معهم بالطريقة نفسها، فيشعر بأنه أقل منهم.
بعد التجربة شعرت بأنه يحتاج إلى مدرسة متخصصة تضم أطفالًا لديهم احتياجات متقاربة وكوادر تفهم اختلافاتهم، لا يعني ذلك أن الدمج خطأ في كل الحالات، لكنه كان القرار الذي رأيته أنسب لابني في ضوء تجربتي والإمكانات المتاحة وقتها.
هل يتحمل المدرسون مسؤولية رفض بعض الأطفال أو عدم القدرة على التعامل معهم؟
لا أعتقد أن المشكلة في المدرسين وحدهم، بل في المنظومة التي تضعهم أحيانًا في موقف أكبر من إمكانياتهم، عندما يُطلب من المدرس التعامل مع طفل ذي احتياجات خاصة دون تدريب أو معرفة أو أدوات مناسبة، فمن الطبيعي أن يواجه صعوبة.
اويصبح الطفل ضحية الصراعات بين المدرسة والمدرسين والإدارة والقانون، وهو يحتاج إلى مجهود مضاعف وفقًا لاحتياجاته، وإذا وُضع داخل منظومة غير مؤهلة، فقد لا يتطور، بل قد يتراجع ويفقد بعض المهارات، لذلك يجب النظر إلى المشكلة باعتبارها مسؤولية منظومة كاملة.
كيف تؤثر الصراعات بين الأسرة والمدرسة والإدارة والقانون في الطفل؟
عندما يصبح الطفل في قلب صراعات بين الأم والمدرسة والإدارة والقانون، فإنه يكون أول من يدفع الثمن، السؤال الأهم هو: ماذا يُقدَّم له فعلًاّ! الطفل يحتاج إلى خطة تعليمية مناسبة، وأشخاص قادرين على فهمه، وبيئة تساعده على التعلم والتطور.
إذا غابت هذه العناصر وانشغلت كل جهة بصراعها مع الأخرى، فالطفل هو الذي يخسر، المشكلة في الفجوة بين ما تنص عليه القوانين وما يُقدَّم فعليًا، ولا بد من منظومة متكاملة تتحمل مسؤوليتها بدلًا من ترك الأسرة وحدها.
هل تمثل “شادو تيتشر” حلا أم قد تتحول إلى مصدر للمعاناة؟
قد تكون “الشادو تيتشر” جزءًا من الحل، وقد تتحول إلى جزء من المعاناة، الأمر يتوقف على مدى ملاءمتها لاحتياجات الطفل، وتأهيلها، وضميرها المهني، عندما أستعين ب”معلمة ظل”الشادو تيتشر”، أضع بين يديها أغلى ما أملك، وهو ابني.
وتزداد خطورة الأمر عندما يكون الطفل غير ناطق (Non-verbal)، لأنه لا يستطيع أن يخبر أمه بما يحدث معه، لذلك لا بد أن يتجاوز اختيار المرافقة مجرد وجود شخص بجوار الطفل، ليشمل ضمان سلامته وكرامته وقدرتها على فهم احتياجاته.
كيف يمكن اختيار معلمة الظل أو المرافق المناسب؟
اختيار المرافق لا ينبغي أن يكون عشوائيًا، من التفاصيل التي قد تؤثر في الاختيار جنس المرافق، لأن بعض الأطفال يستجيبون بصورة أفضل لرجل أو امرأة بحسب طبيعة الطفل واحتياجاته، بالنسبة إلى ابني، لاحظت أنه يتعامل مع الرجال بصورة مختلفة، ولذلك كنت أفضّل أن يتعامل معه أخصائيون رجال.
وهناك أيضًا التأهيل والخبرة والقدرة على فهم احتياجات الطفل والصبر والمرونة والضمير المهني، يجب تقييم الطفل والتعرف على احتياجاته وطريقة تواصله، ثم اختيار الشخص الأنسب، وجود “معلمة ظل”الشادو تيتشر” لا يعني وحده نجاح الدمج، المهم قدرتها على مساعدة الطفل في التعلم والتواصل والشعور بالأمان.
ما المطلوب من وزارات التربية والتعليم لضمان نجاح الدمج؟
إذا كانت وزارات التربية والتعليم تريد تطبيق الدمج بصورة حقيقية، فعليها توفير المتخصصين القادرين على تعليم الأطفال ذوي الإعاقة، لا الاكتفاء بالسماح بوجودهم داخل المدارس، كما توفر الوزارة مدرسين متخصصين للأطفال غير ذوي الإعاقة، فمن حق أطفالنا أن يحصلوا على تعليم يتناسب مع احتياجاتهم على أيدي متخصصين في التربية الخاصة.
لا يصح أن نسمح بالدمج ثم لا نوفر فصولًا أو أدوات أو معلمين مؤهلين، ونترك مدرسًا غير متخصص في مواجهة طفل تختلف طريقة تعليمه واحتياجاته، كثير من الأطفال يحتاجون إلى تدريس فردي (One-to-One)، الدمج ليس قرارًا إداريًا فقط، بل مسؤولية تشمل الكوادر وتجهيز المدارس وتدريب العاملين ومتابعة تطور الطفل.
هل يساهم تعامل الأطفال غير ذوي الإعاقة مع أقرانهم من ذوي الإعاقة في بناء شخصياتهم؟
بالتأكيد، التعامل مع الأطفال ذوي الإعاقة يساعد على غرس قيم تقبل الآخر والرحمة والإنسانية والصبر واحترام الاختلاف، هذه القيم لا تُكتسب بالنصائح وحدها، بل من خلال مواقف حقيقية.
يتعلم الطفل أن التواصل لا يقتصر على الكلام، وأن هناك أشخاصًا يتواصلون بطرق مختلفة، لا ينبغي النظر إلى وجود طفل ذي إعاقة باعتباره عبئًا، بل يمكن أن يكون فرصة لتعليم الأطفال قيمًا مهمة، الطفل الذي ينشأ على تقبل الاختلاف ومساعدة الآخرين يمكن أن يصبح أكثر وعيًا وإنسانية.
ما أكثر موقف آلمكِ كأم لطفل مختلف؟
لا أحب القول إن المجتمع لم يكن مستعدًا للاختلاف، فالاختلاف موجود منذ بداية الخليقة، لكن المشكلة في طريقة تعاملنا معه. البعض ينظر إلى الشخص المختلف باعتباره الأضعف، فيتعامل معه بقسوة بدلًا من احترامه.
أتذكر موقفًا عندما كان ابني في الخامسة أو السابعة تقريبًا، وكنا في مكان للعب على النطاطات، حدث احتكاك طبيعي بينه وبين طفل آخر، وكانت هناك جدة تراقب حفيدها، عندما طلبت من ابني أن يرد ولم يفعل، أخبرتها أنه لديه توحد ولا يتكلم، توقعت أن تتفهم، لكنها بدأت تصرخ وتتهمني بأنني أسمح له باللعب مع الأطفال، ودعت عليّ وعلى ابني، وقالت إن مكانه داخل البيت، بل داخل قفص.
كان ابنها وزوجته يحاولان تهدئتها والاعتذار لي، لكنها استمرت في الصراخ، وجدت نفسي محاطة بأشخاص يتفرجون، وكنت أبكي وأكرر أن ابني من حقه أن يلعب وينبسط مثل بقية الأطفال، أخذته وغادرت، ثم انعزلت في المنزل شهرين أو ثلاثة خوفًا من تكرار الموقف، ما نحتاج إليه هو تغيير نظرة المجتمع كله، حتى يُقبل الطفل ذو الإعاقة باعتباره إنسانًا له حقوق.
كيف أثرت رحلة التوحد على حياتك الاجتماعية والمهنية والمادية والنفسية؟
أريد أن أضحك عندما أسمع السؤال، لأن الرحلة أثرت في كل حياتي تقريبًا، إنسانيًا، أعتقد أنني أصبحت أفضل في الرحمة وتقدير النعم والإحساس بمشاعر الآخرين.
كانت لدي طموحات كثيرة، لكن الضغوط النفسية والجسدية والاجتماعية جعلت الاستمرار في العمل صعبًا واضطررت إلى البقاء في المنزل فترات طويلة.
ماديًا، تربية طفل ذي احتياجات خاصة تتطلب نفقات كبيرة للتعليم والتأهيل والخدمات، ولا تستطيع الأسرة دائمًا توفير كل ما يحتاج إليه الطفل، ولا يوجد دعم كافٍ من الدولة.
كنت أعتقد أنني سأكتسب مناعة مع الوقت، لكنني أحيانًا أصبحت أكثر تأثرًا بمواقف تبدو بسيطة، الاعتياد على المواجهة لا يعني أن الألم اختفى أو أن القدرة على الاحتمال بلا حدود.
ما الأشياء التي اضطررت إلى التخلي عنها أو تأجيلها بسبب مسؤولياتك تجاه ابنك؟
هناك أشياء كثيرة تأجلت مهنيًا وعائليًا، لكن أكثر ما يؤلمني يتعلق بابنتي، أحب ابنتي كما أحب مروان، لكنني كثيرًا ما أسأل نفسي هل أعطيها الوقت والاهتمام اللذين تستحقهما؟! أحاول تقديم كل ما أستطيع، لكنني أشعر أحيانًا بأنني قصرت في حقها.
عندما كانت أصغر، كانت أحيانًا تعتقد أنني أحب أخاها أكثر منها، ومع الوقت بدأت تفهم أن احتياجاته مختلفة وأنه يحتاج إلى رعاية إضافية، لكن فهمها لا يلغي شعوري بالذنب، أتمنى أن أستطيع إدارة وقتي بصورة أفضل وأن أكون حاضرة معها بالقدر الذي تستحقه.، هذه معضلة صعبة تواجه الأم التي تحاول تلبية احتياجات طفلها، بينما تخشى أن يكون ذلك على حساب بقية أبنائها.
ماذا تقولين للمسؤول عن منظومة التعليم؟
سأقول له جملة واحدة: «حرام عليكم»…حرام عليكم أن تضيعوا فرصًا كثيرة من أطفال كان من الممكن أن يكون مستقبلهم أفضل لو حصلوا على التعليم المناسب والدعم الذي يحتاجون إليه، هؤلاء الأطفال لا تنقصهم الحقوق، بل يحتاجون إلى منظومة تساعدهم على التعلم والتطور وإظهار قدراتهم.
بعض الأطفال كان يمكن أن يحقق تقدمًا كبيرًا لو أتيحت له الظروف المناسبة، لكن سنوات مهمة قد تمر دون أن يحصل على الفرص التي يستحقها، يجب النظر إلى القضية باعتبارها مستقبل أطفال وأسر، لا مجرد أرقام ونسب وقرارات مكتوبة.
إذا طُلب منك تغيير نقطة واحدة في منظومة الدمج، فما الذي ستختارينه؟
سأطالب بتوفير متخصصين مؤهلين لتدريس أطفال الدمج وتطوير قدراتهم وفقًا لاحتياجاتهم، بعض الأطفال يذهبون إلى المدرسة لكنهم لا يحصلون على التعليم الذي يحتاجون إليه، لأن المسؤولية تصبح ملقاة على معلمة الظل.
وجود “الشادو تيتشر “لا ينبغي أن يكون بديلًا عن المدرس المتخصص، الطفل يحتاج إلى من يعرف كيف يعلمه، ويضع أهدافًا مناسبة، ويقيس تقدمه ويتعامل مع اختلاف طريقة تعلمه، يجب توفير متخصصين في التربية الخاصة وأدوات تساعدهم على أداء عملهم، الهدف من وجود الطفل في المدرسة ليس مجرد الحضور، بل أن يتعلم ويتقدم.
هل تحتاج منظومة الدمج إلى قانون جديد أم إلى تطبيق أفضل للقانون الموجود؟
تحتاج القضية إلى النظر إلى المنظومة كاملة، لا إلى القانون وحده، تبدأ المراحل بتقييم حالة الطفل وتحديد احتياجاته، ثم توفير البيئة التعليمية المناسبة والكوادر المؤهلة ومتابعة استفادته من التعليم.
التشخيص ليس مسؤولية وزارة التربية والتعليم وحدها، لكن التقييم يحتاج إلى دقة أكبر وعلى أيدي متخصصين أكثر خبرة، وإذا كان القانون يمنح فئات من ذوي الإعاقة الحق في الدمج، فمن واجب المنظومة توفير ما يلزم للاستفادة من هذا الحق.
لا يمكن أن أقول للطفل إن من حقك التعلم ثم أتركه دون معلم مؤهل أو أدوات أو بيئة مناسبة، نحتاج إلى تطبيق أفضل للقانون ومنظومة متكاملة تضع الطفل واحتياجاته في مركز الاهتمام.
من وجهة نظرك، هل تترك المنظومة الأسرة وحدها في مواجهة مستقبل طفلها؟ وكيف تغيّر مفهوم الأمل؟
المنظومة لا تساعد الأسرة بالشكل المطلوب، وأحيانًا أشعر بأنها تتركها وحدها في التخطيط لمستقبل طفلها والبحث عن الحلول.
في البداية كانت لديّ أحلام كثيرة لمروان، ولم يكن حلمي مقتصرًا على المدرسة، بل كنت أتمنى أن يكتسب مهارات ويتطور في جوانب مختلفة. لكن مع مرور الوقت وإدراكي لطبيعة حالته وبطء تطوره الشديد، تغيّرت توقعاتي، أفرح بكل مهارة جديدة، لكنني لم أعد أنتظر تغييرات كبيرة كما كنت أتمنى.
اليوم كل ما أتمناه أن يكون مروان آمنًا وسعيدًا، وأن يتمتع بصحة جسدية جيدة، وأن يعيش وسط أشخاص يتعاملون معه بإنسانية واحترام ويحافظون على سلامته وكرامته، كونه غير ناطق يجعل قلقي عليه أكبر لأنه لا يستطيع التعبير عما يشعر به أو إخبار الآخرين بسهولة بما يتعرض له، أصبح الأمل أن أراه بخير، وفي أمان، ومبسوطًا.
ما أكثر ما يخيفك عندما تفكرين في مستقبل ابنك؟
أكثر شيء يخيفني هو اليوم الذي أموت فيه وأترك ابني، هذا هو الخوف الذي لا يفارقني، ماذا سيحدث لمروان عندما لا أكون موجودة؟!من سيتحمله؟! ومن سيفهم احتياجاته ويعتني به ويمنحه الأمان؟!
أستطيع أن أواجه صعوبات الحاضر وأن أحارب من أجل تعليمه وحقوقه، لكن فكرة أن يأتي يوم لا أكون فيه إلى جواره هي الأصعب. لا أخاف على نفسي بقدر ما أخاف عليه، وأتمنى أن أطمئن إلى أنه سيجد من يرعاه ويحافظ على كرامته وأمانه إذا غبت عنه.

