اتجاهاتتقارير

ارتفاع قتلى قصف سوق أميت في أبيي إلى 153… وإقرار من الجيش السوداني بتنفيذ الهجوم

ارتفعت حصيلة ضحايا القصف الذي استهدف سوق أميت في منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان إلى 153 قتيلًا، إثر هجوم بطائرة مسيّرة تابعة للجيش السوداني، وسط استمرار الحرائق وعمليات انتشال الجثامين، ونزوح نحو 8 آلاف شخص من المنطقة.

وقال يوهانا أكول نقور، وزير الإعلام المكلّف في إدارة أبيي التابعة لجنوب السودان، إن عدد القتلى مرشح للارتفاع، موضحًا أن الحرائق استمرت حتى الثلاثاء، وأن بعض الجثامين احترقت بالكامل، ما صعّب حصر الضحايا والتعرف إلى هوياتهم.

وأظهرت مقاطع مصورة مركبات متفحمة ومباني مدمرة، فيما استمرت النيران في التصاعد من أحد المواقع بعد نحو يوم من الهجوم.

واستهدف القصف، الذي وقع الاثنين، سوق أميت المعروف أيضًا باسم «سوق النعام»، وهو مركز تجاري رئيسي يخدم سكان المناطق الحدودية بين السودان وجنوب السودان، إلى جانب الفارين من الحرب. ويُباع في السوق الغذاء والسلع الأساسية والوقود.

وتقع أبيي ضمن منطقة متنازع عليها بين البلدين، وتخضع لترتيبات إدارية مشتركة، فيما لا يزال وضعها النهائي دون حسم منذ انفصال جنوب السودان عام 2011.

ونقل شهود عيان أنهم سمعوا خمسة انفجارات كبيرة أعقبها اندلاع حريق في مستودع للوقود، مشيرين إلى أن المصابين تعرضوا لشظايا وحروق شديدة.

وفي أعقاب الهجوم، خرج مئات السكان في مظاهرات غاضبة تنديدًا بسقوط قتلى وجرحى من المدنيين، مطالبين بإجراء تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين.

إقرار من الجيش السوداني بتنفيذ الضربة

وبعد اتهامات من جنوب السودان وإدارة أبيي للجيش السوداني بالمسؤولية عن القصف، أقر ضابط كبير في الجيش لوكالة «أسوشيتد برس» بتنفيذ الهجوم بطائرة مسيّرة.

وادعى الضابط، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، أن الضربة استهدفت ناقلات وقود قادمة من جنوب السودان، زاعمًا أنها كانت في طريقها إلى قوات الدعم السريع، وأن القتلى كانوا من عناصر القوات أو المتورطين في تهريب الوقود.

وتتعارض هذه الرواية مع إفادات وزارة خارجية جنوب السودان، وشهادات السكان، ومنشورات النعي المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي تحدثت عن سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، بينهم تجار ونساء وأطفال وعائدون ولاجئون سودانيون.

ويضع هذا الإقرار الهجوم أمام تساؤلات بشأن طبيعة الهدف الذي استُهدف، والمعلومات الاستخباراتية التي استند إليها الجيش، ومدى اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين في سوق مكتظ بالسكان والسلع الأساسية والوقود.

تحذيرات قانونية من استهداف المدنيين

وقال محمد نور الدين، المستشار السابق لوكالات إغاثة دولية وخبير حماية المدنيين، لـ«سكاي نيوز عربية»، إن الاشتباه في وصول الوقود إلى طرف عسكري لا يعفي الجيش من التزاماته بموجب القانون الدولي الإنساني.

وأوضح أن هذه القواعد تفرض التمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتحقق من طبيعة الأهداف، وتمنع شن هجمات يُتوقع أن تتسبب في خسائر مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المرجوة.

وأضاف أن وجود إمدادات يُشتبه في ارتباطها بنشاط عسكري لا يجعل سوقًا مكتظًا بالمدنيين هدفًا مباحًا، مشيرًا إلى أن الهجوم قد يرقى إلى جريمة حرب إذا توافرت الشروط القانونية اللازمة، بما يستدعي تحقيقًا مستقلًا ومحاسبة المسؤولين.

وتثير حصيلة الضحايا وحجم الدمار تساؤلات حول نوع الذخيرة المستخدمة، ودقة المعلومات التي سبقت الهجوم، وتقدير الخسائر المدنية المتوقعة، والجهة التي أصدرت الأمر بتنفيذ الضربة.

تنديد أممي واحتجاج رسمي من جوبا

نددت الأمم المتحدة بشدة بالهجمات التي استهدفت أبيي، معربة عن قلقها إزاء تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة وما تسببه من أضرار للمدنيين والبنية التحتية الحيوية.

وأكدت المنظمة أن الهجمات الجوية تزيد معاناة المجتمعات التي أنهكتها الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، مجددة دعوتها إلى حماية المدنيين والمنشآت المدنية وضمان وصول المساعدات الإنسانية.

من جانبها، استدعت وزارة خارجية جنوب السودان ممثل سلطة بورتسودان لدى جوبا، وأبلغته احتجاجًا رسميًا على القصف، مؤكدة أن الضربات استهدفت مواقع متعددة داخل السوق، وأوقعت ضحايا مدنيين وألحقت أضرارًا واسعة بالممتلكات.

وطالبت جوبا بوقف الأعمال التي تعرض حياة المدنيين وممتلكاتهم للخطر، ومنع تكرار الهجمات، ومعالجة القضايا المرتبطة بأبيي عبر القنوات الدبلوماسية.

بدورها، أعلنت منظمة أطباء بلا حدود استقبال مصابين جراء القصف في مستشفى أميث بيك، بينهم حالات حرجة وأشخاص يعانون حروقًا. وأوضحت أن فرقها قدمت خدمات جراحية وعلاجًا للجروح ورعاية طارئة، محذرة من تداعيات الهجمات على قدرة السكان على الوصول الآمن إلى الرعاية الصحية والخدمات الأساسية.

مخاوف من اتساع التوتر على الحدود

وتكتسب الهجمات خطورة إضافية بسبب الوضع الحساس لمنطقة أبيي، الغنية بالنفط، والمتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، والتي تخضع لترتيبات أمنية خاصة ووجود أممي.

ويثير انتقال العمليات العسكرية إلى المنطقة مخاوف من تصاعد التوتر بين الخرطوم وجوبا، واتساع نطاق تداعيات الحرب السودانية إلى منطقة حدودية تعاني أصلًا هشاشة أمنية وخلافات سيادية ونزاعات مجتمعية متراكمة.

وفي ظل الإقرار بتنفيذ الضربة من جانب ضابط في الجيش السوداني، تتزايد المطالب بالكشف عن الأسس التي استند إليها الهجوم، وطبيعة الهدف، والذخائر المستخدمة، والجهات التي أصدرت الأوامر ونفذتها.

ويبقى تحديد المسؤولية القانونية عن سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا مرهونًا بتحقيق مستقل يكشف ملابسات الهجوم، ومدى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، وما إذا كانت الخسائر المدنية المتوقعة قد أُخذت في الاعتبار قبل تنفيذ الضربة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *