صحةمنوعات

الدكتورة إيمان شكري “أم محمد”:” لن أنسى ما حدث خلال العمرة، عندما اعترض شخص على وجود ابني داخل المسجد…وأخصائي اعتمد إسقاطه على الأرض ليمتثل لأوامره”

لم تكن رحلة الدكتورة إيمان شكري، المدرس بقسم الإعلام في جامعة المنصورة، مع ابنها محمد مجرد تجربة أم مع طفل شُخص بالتوحد في الثالثة من عمره، بل كانت رحلة طويلة بين الأطباء وأخصائيي التخاطب والمراكز التعليمية والتأهيلية، ومحاولات متكررة لفهم احتياجاته واكتشاف قدراته، وسط مخاوف الأم من المستقبل وشعورها بالذنب أحيانا، وتحديات المجتمع والمدرسة والدمج.

على مدار سنوات، حاولت إيمان أن تجد الطريق الأنسب لابنها، قبل أن تدرك أن كثرة البرامج العلاجية لا تعني بالضرورة الوصول إلى ما يحتاج إليه، وأن اكتشاف ميوله ومواهبه قد يكون نقطة تحول في حياته، واليوم، يبلغ محمد عشرين عاما، يعزف البيانو أمام الجمهور، يمارس الرياضة، يحب الطبخ، ويدرس في دبلوم السياحة والفنادق، حيث وصل إلى السنة الثالثة.

في هذا الحوار الخاص لموقع «أنباء عربية»، تتحدث الدكتورة إيمان شكري إلى الكاتبة الصحفية هند الصنعاني عن تفاصيل رحلتها مع محمد، ومخاوفها بشأن مستقبله، وتجربتها مع المؤسسات التعليمية والتأهيلية، ورسالتها إلى الأمهات، ومطالبها بتوفير منظومة متكاملة للتشخيص والتعليم والتأهيل والعمل، تضع قدرات الأشخاص ذوي التوحد وحقوقهم في مقدمة أولوياتها.

س: عندما اكتشفت أن محمد لديه توحد في الثالثة من عمره، ماذا حدث بداخلك كأم؟ وهل مررت بمرحلة إنكار أو خوف من المستقبل؟

ج: بدأت ملامح التوحد تظهر لدى محمد عندما كان في الثالثة من عمره، وذهبنا إلى طبيب تخاطب أكد التشخيص. في البداية، مررت بمرحلة من الإنكار والخوف، وكنت أتساءل عما سيحدث له في المستقبل، وكيف ستكون حياته، ومن سيهتم به إذا لم أكن موجودة إلى جواره.

كان محمد طفلا ذكيا واجتماعيا في البداية، ولذلك كنت أحاول إقناع نفسي بأنه سيصبح بخير، وأن الأمور قد تتغير مع الوقت، لكن الخوف لم يكن متعلقا بمستقبله المهني فقط، بل كان يتعلق بأمانه وقدرته على الاعتماد على نفسه، ومن سيحميه ويرعاه إذا غبت عنه.

أكثر ما كان يؤلمني أن محمد لم يكن قادرًا على التعبير عما يحدث له. ظل صامتًا حتى نحو العاشرة من عمره، ولم يكن يستطيع وصف المواقف التي يتعرض لها، حتى باستخدام الكتابة أو الصور، كنت أشعر أن هناك أشياء كثيرة بداخله، لكنه لا يستطيع أن يخبرني بها، وهو ما جعلني أخاف عليه أكثر، كما كنت أخشى أن أتركه في مركز أو مع أخصائي لا يتعامل معه بالطريقة المناسبة، لأن الطفل الذي لا يستطيع التعبير عما يتعرض له يكون أكثر احتياجًا إلى الحماية.

س: رحلتك مرت بين أطباء نفسيين وأطباء مخ وأعصاب وأخصائيي تخاطب ومراكز مختلفة، هل شعرت أن سنوات مهمة من عمر محمد ضاعت في البحث عن الطريق الصحيح؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا الوقت الضائع؟

ج: نعم، شعرت بأن وقتا طويلا ضاع منا في البحث عن الطريق الصحيح، خلال الرحلة، تنقلت بين الأطباء النفسيين وأطباء المخ والأعصاب وأخصائيي التخاطب ومراكز مختلفة، وجربت برامج وأساليب متعددة، لكنني لم أجد منظومة متكاملة ترشدني إلى ما يحتاج إليه محمد بالفعل.

في مصر، كما في السعودية التي تعاملت معها خلال رحلتي، كنت أشعر بأن الأسرة تُترك لتبحث بنفسها عن الطريق، من دون وجود منظومة موحدة تحدد قدرات الطفل واحتياجاته، وتساعده على تنميتها وفق خطة واضحة.

كنت أجد أن بعض المراكز تضع برامج عامة للأطفال، مثل التخاطب وتنمية المهارات وتعديل السلوك، من دون أن تكون جميع هذه البرامج مناسبة لكل طفل، كما أن الطفل قد ينتقل من مركز إلى آخر، فيجد نفسه مضطرا إلى البدء من نقطة الصفر، وكأن ما أنجزه سابقا لم يكن موجودا، كنت أرى أحيانا اهتماما بكراسات الإنجاز وما أُنجز فيها، أكثر من الاهتمام بما إذا كان الطفل قد اكتسب مهارة حقيقية تساعده في حياته اليومية أو تزيد من استقلاليته، كذلك جربنا طرقا متعددة، من بينها الحميات الغذائية ومنع الأجهزة الإلكترونية، وشراء أدوات للعمل في المنزل، إلى جانب جلسات التخاطب والتأهيل، كانت هناك محاولات كثيرة استهلكت وقتا وجهدا ومالا، ولم تحقق جميعها النتائج التي كنت أتوقعها، لا أقول إن كل طبيب أو أخصائي لم يساعدنا، فقد استفدت من بعض الاستشارات والتوجيهات، حتى عندما لم تكن النتائج كما كنت أتمنى، لكن المشكلة أن الأسرة تحتاج إلى خطة واضحة ومتكاملة، لا أن تنتقل من تجربة إلى أخرى وهي لا تعرف أي طريق تختار، وأرى أن المسؤولية لا تقع على الأم وحدها، بل تتعلق أيضا بضرورة وجود منظومة أكثر تنظيما، وتقييم مناسب لقدرات الطفل، وتعاون حقيقي بين الأطباء والأخصائيين والمدارس والأسرة.

س: هل وجدت نفسك كأم مضطرة إلى أن تصبحي طبيبة وأخصائية ومعلمة لابنك، لأنك لم تجدي منظومة واحدة ترشدك وتحتويك؟

ج: بالفعل، اضطررت إلى أن أتعلم بنفسي، أصبحت لدي ملفات كاملة عن التخاطب وبرامج المراكز، وكنت أبحث وأقرأ وأحاول فهم ما يناسب محمد وما لا يناسبه، لأنني لم أجد منظومة واحدة تقدم لي الإجابات التي أحتاج إليها.

في مرحلة من المراحل، كنت أعتقد أن علي تجربة كل ما يُقال لي، وأن كل برنامج جديد قد يكون هو الحل الذي سيغير حياة ابني، لكنني اكتشفت مع الوقت أن كثرة التجارب ليست بالضرورة مفيدة، وأن بعض الأساليب قد لا تناسب الطفل من الأساس.

كنت أختلف أحيانا مع بعض المختصين بشأن طرق التعليم، ومنها ربط الكتابة بالنطق أو إجبار محمد على أداء مهام لا يحبها ولا تناسب طريقة تعلمه، ومع مرور الوقت، بدأت أشعر بأنني أهدرت جزءا من عمره حين استجبت لبعض التوجيهات من دون أن أكون مقتنعة بملاءمتها له.

بدأ محمد يتعلم الكتابة بعد العاشرة تقريبا، وأصبح قادرا على التعبير ببعض الكلمات البسيطة، لكنه ما زال يجد صعوبة في وصف مواقف كثيرة أو التعبير عما يشعر به، وهذا جعلني أدرك أهمية ألا نقيس قدرات الطفل بما يستطيع قوله فقط، وألا نفترض أن عدم قدرته على التعبير يعني أنه لا يفهم.

كنت أريد أن أجد طريقة تساعده على التواصل مع الآخرين، لأن التعبير يمنحه فرصة أكبر للتفاعل، ويجعله سعيدا عندما يفهمه المحيطون به ويستجيبون لما يقوله، وأرى أن المطلوب هو وضع خطة فردية لكل طفل، تبدأ بالتعرف إلى قدراته واحتياجاته، ثم تحديد أهداف واقعية تتعلق بالاستقلالية والتعلم وتنمية المهارات، وليس من الضروري أن يحصل كل طفل على البرامج نفسها أو أن يسير الجميع في الطريق نفسه.

س: ما أصعب شيء واجهته اجتماعيا؟ هل كان التنمر على محمد، أم نظرة الناس إليك كأم؟

ج: من أصعب ما واجهته كان شعوري بأنني مطالبة طوال الوقت بالدفاع عن ابني وتفسير سلوكه للآخرين، إلى جانب خوفي من تعرضه للتنمر أو الأذى، خصوصا أنه لم يكن يستطيع التعبير عما يحدث له.

تعرض محمد للتنمر من بعض الطلاب، وأحيانا من معلمين، خاصة عندما كان يمارس ألعابا تناسب عمرا أصغر من عمره، كان بعض الناس ينظرون إلى سلوكه باعتباره تصرفًا غريبا، من دون أن يحاولوا فهم احتياجاته أو اختلافه، أتذكر أيضا ما حدث خلال العمرة، عندما اعترض شخص على وجود محمد في المسجد والفندق بسبب الأصوات التي كان يصدرها، وقال إن سلوكه غير لائق وإنه لا ينبغي أن يدخل المسجد. رفضت أنا ووالده هذا الكلام، وأكملنا عمرتنا؛ فمحمد إنسان، وله الحق في العبادة والوجود في الأماكن العامة مثل غيره.

كانت هناك مواقف أخرى مؤلمة، منها رفض بعض المدارس استقباله، حتى إنني عرضت في إحدى المرات أن أكون مدرسة ظل له، وأن أتدخل إذا أزعج أحدًا أو احتاج إلى مساعدة، لكن الرد كان أنه غير مناسب للمدرسة.

في المقابل، ألاحظ أن وعي المجتمع بدأ يتحسن مقارنة بما كان عليه قبل عشر سنوات، أصبحت أرى قدرا أكبر من التقبل في بعض المطاعم والأماكن العامة، كما أن الناس في الحفلات التي يشارك فيها محمد يشجعونه، وأرى أن هذا التشجيع ينعكس عليه ويجعله سعيدا.

لكننا ما زلنا بحاجة إلى الانتقال من مجرد تقبل وجود الأشخاص ذوي التوحد إلى توفير أماكن تعليم وعمل وأنشطة مهيأة لهم، تتيح لهم المشاركة الفعلية في المجتمع.

س: هل أثّر وجود طفل لديه توحد على الأسرة ماديا ونفسيا وعلاقاتها الاجتماعية؟

ج: بالتأكيد، فالتوحد لا يؤثر في الطفل وحده، بل يمتد أثره إلى الأسرة كلها، هناك أعباء مادية مرتبطة بالجلسات والمراكز والبرامج المختلفة، وأعباء نفسية ناتجة عن الخوف المستمر على الطفل، والبحث عن الطريقة المناسبة للتعامل معه، والشعور أحيانًا بأنك لا تفعلين ما يكفي.

مررت بمرحلة كنت أخصص فيها معظم وقتي لمحمد، حتى إنني شعرت بأن حياتي توقفت لسنوات، كنت أحاول تجربة كل ما يمكن أن يساعده، وأبحث عن العلاج أو البرنامج الذي قد يحقق له تقدما، لكنني اكتشفت أن الاستغراق في هذه المحاولات قد يستنزف الأم من دون أن يحقق بالضرورة ما تتوقعه،كما أن وجود طفل يحتاج إلى دعم مستمر قد يؤثر في وقت الأسرة وعلاقاتها الاجتماعية، ويجعل الخروج أوالمشاركة في الأنشطة أمرا يحتاج إلى استعداد وتنظيم، ولا ينبغي أن نغفل الإخوة، فقد يطلب بعض الآباء من أبنائهم الآخرين أن يتحملوا مسؤوليات إضافية تجاه أخيهم، أو أن يتنازلوا عن أنشطتهم ورغباتهم، أو أن يحققوا نجاحات أكبر لتعويض ما يعتقدون أنه ينقص أخاهم.

لقد درست في الجامعة مادة عن علم النفس والإخوة الذين لديهم أشقاء من ذوي الاحتياجات الخاصة، ولم أدرك أهمية هذا الموضوع إلا عندما عشته بصورة مباشرة، لذلك أحاول الآن تنظيم الأمور بحيث يرافق كل واحد من أبنائي محمد في أوقات مختلفة، من دون أن أضغط على أحد منهم أو أجعله يشعر بأن حياته يجب أن تدور حول أخيه، كذلك أرى ضرورة توفير دعم نفسي للأم والأب والإخوة، وليس للطفل وحده، وتدريب أفراد الأسرة على التعامل مع التوحد، مع احترام قدرات كل فرد ومساحته الشخصية.

س: ماذا حدث مع محمد في المدرسة؟ وهل شعرتِ أن المدارس المصرية تتعامل مع الطفل المختلف باعتباره عبئا أكثر من كونه طالبا له حق في التعليم؟

ج: كانت تجربة المدرسة من التجارب المؤلمة بالنسبة إلي، رفضت مدارس عدة استقبال محمد، حتى بعض المدارس الدولية التي حاولت إقناعها بقبوله، وعرضت أن أكون مدرسة ظل له وأرافقه خلال اليوم الدراسي، لم توافق على ذلك،كان الرفض يشعرني بأن ابني لا يُمنح فرصة حقيقية، وأن المشكلة ليست دائما في قدراته، بل في مدى استعداد المؤسسة التعليمية لاستيعاب اختلافه وتوفير ما يحتاج إليه، وأرى أن هناك مشكلة في بعض الفصول التي تُجمع فيها فئات مختلفة من الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة تحت مسمى واحد، رغم أن احتياجاتهم التعليمية والسلوكية ليست متشابهة، فالطفل ذو التوحد ليس بالضرورة كطفل لديه فرط حركة أو طفل لديه متلازمة داون، ولا يمكن التعامل مع الجميع بالطريقة نفسها، إذن نحتاج إلى فصول وخطط تعليمية تناسب احتياجات كل فئة، وإلى معلمين وأخصائيين مؤهلين، ومناهج مرنة تتيح للطفل أن يتعلم وفق قدراته، كما نحتاج إلى طرق تقييم تراعي اختلاف وسائل التواصل والتعلم، بدلا من الاعتماد على اختبارات قد لا تعكس قدرات الطفل الحقيقية.

حتى اختبار الذكاء المستخدم في التقييم قد لا يكون مناسبا لبعض الأطفال ذوي التوحد إذا اعتمد على أسئلة لفظية أو طرق استجابة لا يستطيع الطفل التعامل معها، فقد يكون لدى الطفل قدرات لا تظهر في الاختبار بالطريقة المعتادة، ومن الخطأ أن نختزل إمكاناته في نتيجة واحدة.

أنا أعلّم محمد في المنزل، بعدما جربت مدارس وأماكن مختلفة، لكنني أعرف أن التعليم المنزلي ليس حلا متالا أو مناسبا لكل أسرة، من حق الطفل أن يحصل على تعليم يناسبه، ومن حق الأم ألا تُترك وحدها لتقوم بدور المدرسة والمعلمة والأخصائية.

س: هل تعرضت لموقف شعرت فيه أن محمد تم رفضه أو تهميشه بسبب التوحد؟ وكيف واجهت هذا الموقف؟

ج: نعم، ومن أكثر المواقف التي بقيت في ذاكرتي رفض المدارس له، رغم محاولاتي تقديم حلول تساعد على قبوله، كنت أشرح أنني مستعدة لمرافقته ومساعدته، وأنني لن أتركه يتسبب في إزعاج الآخرين، ومع ذلك كان الرد أنه غير مناسب.

ومن المواقف التي أثرت في أيضا ما حدث في أحد المراكز، عندما لاحظت أن محمد يحرك رجله بطريقة غير معتادة، وعندما سألت الأخصائي عن السبب، اعترف بأنه تعمد تعريضه للتعثر أو الأذى البسيط حتى يخاف محمد ويستجيب لأوامره، هددت بتقديم شكوى ضد المركز، وعوقب الأخصائي، ثم سحبت ابني من المكان، كانت الواقعة مؤلمة، لأن محمد لم يكن قادرا على إخباري بما حدث له، ولأنني كنت أضع ثقتي في المكان الذي يفترض أن يحميه ويساعده، هذه التجربة جعلتني أكثر حرصا على معرفة كيفية تعامل الأخصائيين مع ابني، وعلى ألا أعتبر أي مركز أو مختص مناسبا لمجرد أنه يقدم خدمات التأهيل، الأطفال ذوو التوحد أمانة، ويجب أن تكون سلامتهم وكرامتهم في مقدمة الأولويات. كما يجب أن يكون هناك وعي أكبر بحقوقهم، وآليات واضحة لمحاسبة من يتجاوز معهم.

وأتذكر أيضا أن محمد، بعد رفض إحدى المدارس له، ارتدى الزي المدرسي الخاص بأخته، وهو زي للفتيات، شعرت حينها وكأنه يعبر بطريقته عن رغبته في الذهاب إلى المدرسة، هذا الموقف أكد لي أنه يفهم كثيرا من الأمور المحيطة به، حتى إن لم يكن قادرا على التعبير عنها بالكلام.

س: كأم، هل عشت لحظات شعرت فيها بالذنب، وكأنك تسألين نفسك: هل كنت أستطيع أن أفعل أكثر من ذلك من أجل ابني؟

ج: نعم، كان الشعور بالذنب من أكثر الأشياء التي أتعبتني خلال الرحلة، كنت أسأل نفسي أحيانا هل قصرت في حق محمد! هل كان ينبغي أن أترك عملي أو أخصص له وقتا أكبر! هل كنت أستطيع أن أفعل شيئا مختلفا يساعده أكثر!، وأحيانا أتركه أمام الهاتف، ثم أشعر بالذنب لأنني لا أستطيع أن أقدم له بديلا مناسبا طوال الوقت، فهو لا يملك أصدقاء بالمعنى المعتاد، ولا يعرف بسهولة كيف يتحدث مع الآخرين أو ينشئ صداقات، وأنا لا أستطيع أن أكرس حياتي كلها لمرافقته في كل لحظة.

في إحدى المرات، لاحظت أن محمد قد يقضي ساعات في المركز، جالسا إلى جوار الأخصائي من دون نشاط واضح، منتظرا دوره ولا يتحدث، أثار ذلك شعوري بالذنب، وجعلني أفكر في حاجته إلى فرص أكبر للتفاعل الاجتماعي، لكنني أدركت أيضا أن الأم لا تستطيع القيام بكل شيء وحدها.

تعرضت للوم من بعض أفراد أسرتي، وقالوا إن انشغالي بالعمل أو تقصيري قد يكون السبب في زيادة التوحد لديه، وهذا الكلام كان مؤلما، خصوصا أنني كنت أبذل ما أستطيع من وقت وجهد ومال، كما أنني رأيت أمهات يحملن الأب مسؤولية التقصير، وقد تتحول هذه الضغوط إلى مشكلات أسرية، لأن الأب قد لا يستطيع تلبية كل الاحتياجات المادية والنفسية، مهما حاول، مع الوقت، تعلمت أن أعترف بحدود طاقتي، وأن أقدر ما قدمته لابني بدلا من أن أظل ألوم نفسي على ما لم أستطع فعل، لا ينبغي للأم أن تعيش أسيرة الشعور بالذنب، ولا أن تلوم الأب أو بقية أفراد الأسرة طوال الوقت، الأهم أن نكتشف قدرات الطفل ونساعده على تنميتها، وأن ندعم العلاقة بينه وبين والده وإخوته، بدلا من تحويل الأسرة إلى دائرة من اللوم والاتهامات، كما أنني أؤمن بأن تجربة التوحد جعلتني أكثر ثقة بالله، وبنفسي، وبقدرات ابني، الإنسان قد لا يفهم الحكمة من كل ما يمر به، لكن الإيمان يساعده على الاستمرار، وعلى النظر إلى التجربة بصورة مختلفة، من دون أن يفقد الأمل أو يتوقف عن المحاولة.

س: هل كانت هناك لحظات انتصار شعرتِ فيها بأن كل هذا التعب لم يذهب هدرا؟

ج: نعم، كانت هناك لحظات انتصار كثيرة، حتى لو كانت بسيطة في نظر الآخرين، عندما بدأ محمد يتعلم الكتابة، ثم أصبح قادرا على التعبير ببعض الكلمات، شعرت بأن هناك تقدما يستحق أن أفرح به، وكلما استطاع أن يعبّر عن شيء يريده أو يتفاعل مع من حوله، كنت أشعر بالسعادة، لكن من أجمل اللحظات بالنسبة إلي اكتشاف موهبته في الموسيقى، ورؤيته يعزف البيانو أمام الجمهور، عندما يقف على المسرح مرتديا ملابسه الرسمية، أشعر بأنه يعيش حلما يحبه، وأن الموسيقى تمنحه مساحة مختلفة للتعبير عن نفسه، أرى كيف يتفاعل مع النغم، وكيف يستطيع حفظ بعض المقطوعات بمجرد سماعها، حتى من دون الرجوع إلى النوتة الموسيقية في كل مرة، كما أن تشجيع الجمهور له ينعكس عليه ويجعله سعيدا، وأشعر بالفخر أيضا عندما أراه في الجيم، يمارس الرياضة ويشعر بأنه جزء من المجموعة، أو عندما ألاحظ مهارته في الطبخ ودقته في التعامل مع المكونات، هذه اللحظات جعلتني أفهم أن النجاح لا يجب أن يُقاس دائما بالطريقة التي اعتدنا عليها، ولا بالمعايير نفسها التي نستخدمها مع جميع الأطفال، أحيانا يكون النجاح في مهارة صغيرة تمنح الطفل استقلالية أكبر، أو في نشاط يجعله سعيدا وواثقا بنفسه.

س: متى قررتِ تغيير الطريقة التي تتعاملين بها مع محمد، من جلسات وتأهيل فقط إلى اكتشاف مواهبه واستثمار وقته في البيانو والطبخ والجيم؟ وما الذي جعلك تتخذين هذا القرار؟

ج: بدأت أغير طريقتي عندما أدركت أنني لا أستطيع الاستمرار في تجربة كل البرامج والأساليب من دون أن أعرف ما الذي يحبه محمد فعلًا وما الذي يستطيع التميز فيه،

في البداية، جربت معه أشياء مختلفة، حاولت أن أجعله يهتم بالرسم، لكنه لم يحبه، وكذلك الصلصال وأعمال النحت، ثم جربت معه الآلات الموسيقية، ومنها الكمان، لكنني شعرت بأن تعلمه قد يكون صعبا عليه، وبعد ذلك اكتشفت أن البيانو يناسبه أكثر، عندما بدأ يتعامل مع البيانو، لاحظت أن لديه إحساسا بالنغم، وأن الموسيقى تجذبه وتجعله يدخل في حالة مختلفة تماما، عندها قررت أن أبحث عن مدرس مناسب، ثم عن مكان يمكنه أن يتعلم فيه، واستغرق الأمر وقتا حتى وجدت من يستطيع التعامل معه بالطريقة المناسبة.

تعلم محمد تدريجيا، وبدأ باستخدام يديه، ثم تطور أداؤه حتى أصبح قادرا على قراءة النوتة والعزف أمام الجمهور، كان علي أن أتحلى بالصبر، وألا أتوقع منه نتائج كبيرة في وقت قصير، لأن الضغط عليه قد يجعله ينفر من النشاط الذي يحبه.

أما الرياضة، فكانت جزءا من حياته، لكنه وجد في الجيم تجربة مختلفة، إذ بدأ يشعر بأنه يمارس نشاطا مثل الآخرين، وأنه يستطيع أن يكون جزءا من المجموعة، وهذا الأمر كان مهما بالنسبة إلي، ليس لمجرد ممارسة الرياضة، بل لما منحه إياه من شعور بالانتماء، واكتشفت كذلك أنه يحب الطبخ، بعدما لاحظت اهتمامه بمشاهدة فيديوهات الطهي، بما فيها المطابخ الهندية والروسية وغيرها، بدأ يتابع طرق إعداد الطعام، ولاحظت لديه دقة في تقطيع المكونات والتعامل معها، حتى في أمور لم أكن قد دربته عليها بصورة مباشرة،أنا أؤمن بأهمية الملاحظة والتجريب، فكما نستخدم الملاحظة أداة في البحث العلمي، تستطيع الأم أن تستخدمها لتعرف ما الذي يجذب طفلها، وما الذي ينفر منه، وما المهارات التي يمتلكها،لكن اكتشاف الموهبة لا يعني أن الطريق يصبح سهلا، ما زلت أبحث عن مكان مناسب يستطيع محمد أن يتعلم فيه الطبخ بصورة أكثر احترافية، تحدثت مع عدد من الطهاة والجمعيات، ومنها جمعية الطهاة المصريين، لكنني واجهت صعوبة في العثور على برامج تدريب متخصصة تستوعب الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة.

هناك مخاوف تتعلق بسلامة استخدام الأدوات والعمل داخل المطابخ المهنية، وهي أمور تحتاج إلى تنظيم وتدريب مناسبين، لكنني لا أريد أن يكون ذلك سببا في إغلاق الباب أمامه، ما زلت أبحث عن فرصة تساعده على تطوير موهبته، لأن رحلتي معه مستمرة.

س: محمد يعزف البيانو أمام الجمهور، ويتميز في الطبخ، ويدرس السياحة والفنادق، هل اكتشفتِ أن المشكلة لم تكن في قدراته، وإنما في أن المجتمع كان يبحث عن قدراته في المكان الخطأ؟

ج: أعتقد أن جزءا كبيرا من المشكلة كان في الطريقة التي ننظر بها إلى قدرات الطفل، أحيانا نبحث عن مهارات محددة وفق توقعاتنا نحن، ثم نحكم على الطفل بأنه لا يستطيع عندما لا يؤدي بالطريقة التي ننتظرها، محمد لديه قدرات في الموسيقى والطبخ، كما أن لديه دقة في ملاحظة التفاصيل، هذه أمور لم أكن لأكتشفها لو اكتفيت بالنظر إلى ما لا يستطيع فعله، أو لو ظللت أحاول دفعه إلى أن يتعلم بالطريقة نفسها التي يتعلم بها الآخرون، بعض الأطفال ذوي التوحد قد تكون لديهم ذاكرة قوية في مجال معين، أو قدرة على التركيز في تفاصيل دقيقة، أو موهبة في الموسيقى أو القرآن أو الرياضة أو تركيب الأجهزة، لا يمكن أن نعمم موهبة واحدة على الجميع، لكن علينا أن نمنح كل طفل فرصة لاكتشاف ما يميزه.

محمد الآن في العشرين من عمره، ويدرس في السنة الثالثة من دبلوم السياحة والفنادق، وهو يعزف البيانو أمام الجمهور، ويذهب إلى الجيم، ويحب الطبخ، بالنسبة إليّ، هذه المسارات تستحق الدعم والتطوير، بدلا من أن نحصر اهتمامنا في جلسات التأهيل وحدها،لكنني ما زلت أواجه صعوبة في إيجاد بيئة تدريب مناسبة له في مجال الطبخ، فالموهبة وحدها لا تكفي، يحتاج صاحبها إلى مكان يتعلم فيه، وإلى تدريب يراعي احتياجاته، وإلى فرصة حقيقية لتوظيف ما تعلمه، نحن بحاجة إلى أن ننتقل من مرحلة تشجيع الأشخاص ذوي التوحد إلى مرحلة الاستفادة من قدراتهم وإتاحة فرص حقيقية لهم في التعليم والعمل.

س: بعد أن أصبح محمد شابا في العشرين من عمره، ما أكثر شيء تخافين عليه منه اليوم؟ وهل تخافين من المستقبل أكثر مما كنت تخافين عليه وهو طفل؟

ج: ما زلت أخاف على محمد، خصوصا من أن يؤذي نفسه من دون أن يقصد، أو أن يتصرف بدافع الفضول والتجربة من دون أن يدرك حدود الخطر، محمد يحب تجربة أشياء جديدة، لكنني أحيانا أخشى أن يخرج فجأة من دون أن أعرف إلى أين يتجه، فهو يتحدث، لكن كلامه ما زال محدودا، ولا يستطيع دائما أن يشرح ما يفكر فيه أو ما يريد القيام به، لذلك أتساءل أحيانا، هل يدرك حدود المكان! وهل يستطيع التصرف إذا وجد نفسه في موقف لا يعرف كيف يتعامل معه!، قد تكون لديه أحلام وأفكار، لكنه لا يستطيع التعبير عنها كلها، وقد لا يدرك دائما حدود ما يستطيع القيام به بمفرده، لهذا أحاول أن أكون موجودة بالقرب منه، لا بهدف تقييد حركته، وإنما لأضمن سلامته مع منحه مساحة من الحرية، أريد له أن يعيش ويجرب ويستمتع بالأشياء التي يحبها، لكنني أحتاج أيضا إلى الاطمئنان إلى أنه في مكان آمن، وأن هناك من يستطيع مساعدته إذا احتاج إلى ذلك، ومع تقدمه في العمر، أصبح التفكير في المستقبل أكثر حضورا، لأن السؤال لم يعد متعلقا بطفل يحتاج إلى الرعاية فقط، بل بشاب يحتاج إلى فرص للتعلم والعمل والاستقلال بقدر ما تسمح به قدراته، وأكثر ما أخشاه أن يظل محمد معتمدا على الأسرة في كل تفاصيل حياته، ليس لأن قدراته لا تسمح له بأكثر من ذلك، بل لأن المجتمع لم يوفر له المكان المناسب الذي يستطيع فيه تطوير هذه القدرات.

س: هل المجتمع مستعد فعلًا لرؤية شاب لديه توحد يعمل ويتعلم ويحب ويستقل، أم أننا ما زلنا نريد منه فقط أن يكون هادئًا ولا يسبب إزعاجا؟

ج: أرى أن وعي المجتمع بدأ يتحسن، وألاحظ ذلك في بعض المواقف التي يشارك فيها محمد، في الحفلات التي يعزف فيها، أجد الناس يشجعونه ويتفاعلون معه، وهذا التشجيع يسعده ويمنحه ثقة أكبر بنفسه، لكننا ما زلنا في حاجة إلى خطوات عملية تتجاوز تقبل وجوده في الأماكن العامة، المطلوب أن تكون هناك أماكن تعليم وعمل تناسب قدراته، وأن يجد الأشخاص ذوو التوحد فرصا للمشاركة في المجتمع بدلا من بقائهم داخل المنزل، لا يكفي أن نقول إننا نتقبل الاختلاف، ثم لا نوفر للشخص المختلف فرصة للتعلم أو التدريب أو العمل، يجب أن نبحث عن المجالات التي يستطيع أن يبدع فيها، وأن نهيئ له بيئة تساعده على تطوير مهاراته.

على سبيل المثال، إذا كان هناك شاب يحب ترتيب المنتجات، فيمكن التفكير في وظيفة مناسبة داخل متجر أو سوبر ماركت، وإذا كان آخر موهوبا في الطبخ، فيمكن توفير تدريب مناسب له داخل مطبخ مهني، مع مراعاة قواعد السلامة، وإذا كان لديه تميز رياضي، فيجب إتاحة الفرصة له لتطويره، الأشخاص ذوو التوحد ليسوا نسخة واحدة، ولكل منهم قدرات واحتياجات مختلفة، لذلك لا ينبغي أن نضع الجميع في قالب واحد، أو أن نكتفي بأن يكونوا هادئين ولا يسببوا إزعاجا للآخرين، أنا أتمنى أن نصل إلى مرحلة يستطيع فيها محمد وغيره من الشباب أن يجدوا أماكن تناسبهم، وأن تكون لهم حياة يشعرون فيها بالانتماء والإنجاز، لا أن يظلوا في انتظار أن يتغيروا حتى يقبلهم المجتمع.

س: هل تشعرين أن الدولة والأسرة تحملتا معك المسؤولية، أم أن العبء الأكبر ظل على الأم؟

ج: أرى أن هناك اهتماما أكبر من الدولة بالأشخاص ذوي الإعاقة مقارنة بالفترة التي بدأت فيها رحلتي مع محمد، واليوم توجد خدمات ومزايا لم تكن متاحة بالصورة نفسها في السابق، مثل بعض التسهيلات في المواصلات ودخول المتاحف، وبعض أشكال الدعم والخدمات المخصصة لهم، وهناك أيضا جهود تتعلق بالتوظيف وتوفير فرص للأشخاص ذوي الإعاقة، هذه الأمور تسعد أي أم، ومن المهم الاعتراف بما تحقق، لأن توفير التسهيلات والدعم يخفف بعض الأعباء عن الأسر، لكنني أرى أن الموضوع أكبر من مجموعة مزايا أو خدمات منفصلة، فنحن نحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بالتشخيص المناسب، ثم التعليم والتأهيل، وصولًا إلى التدريب والعمل، ما زال العبء الأكبر في كثير من الأحيان يقع على الأم، لأنها هي التي تبحث عن الأطباء والمراكز والمدارس، وتحاول اكتشاف قدرات طفلها، وتعمل على تنظيم يومه، وتبحث عن فرص تناسبه، أنا أحتاج إلى أن أطمئن إلى أن محمد، عندما يكبر، ستكون أمامه خيارات حقيقية للتعلم والعمل، وأنه لن يظل في المنزل لأن المجتمع لم يوفر له مكانا مناسبا، كما أن الأسرة نفسها تحتاج إلى الدعم والتوجيه، حتى لا تضطر إلى خوض الرحلة وحدها، وحتى يستطيع الأب والإخوة المشاركة بطريقة متوازنة، من دون أن يشعر أي فرد منهم بأنه مسؤول وحده عن مستقبل الطفل.

س: لو جلست أمام مسؤول الآن، وليس أمام طبيب أو أخصائي، ما الأشياء التي ستطلبينها فورا لكل أم لديها طفل من ذوي التوحد في التشخيص والتعليم والعمل؟

ج: أولا، أطالب بتطوير منظومة التشخيص والتقييم، بحيث لا نعتمد على اختبار واحد لا يعكس بالضرورة القدرات الحقيقية للطفل. يجب أن يكون هناك تقييم متكامل يساعد على فهم احتياجاته، ويكشف نقاط قوته والصعوبات التي يواجهها، بدلا من اختزاله في درجة أو وصف عام.

ثانيا، أطالب بتوفير تعليم مناسب لكل طفل، مع فصول وبرامج تتوافق مع احتياجاته، ومعلمين وأخصائيين مؤهلين، ومناهج مرنة تراعي اختلاف قدرات الأطفال وطرق تعلمهم، لا يكفي أن نجمع أطفالا ذوي احتياجات مختلفة في فصل واحد ثم نتوقع أن يستفيدوا جميعا بالطريقة نفسها.

كما أرى أهمية وضع خطة فردية لكل طفل، تتضمن أهدافا واقعية تتعلق بالتعلم والاستقلالية وتنمية المهارات، وأن تكون هناك متابعة حقيقية لما يحققه، بدلا من الاهتمام الشكلي بالأنشطة أو كراسات الإنجاز.

ثالثا، أطالب بتوفير فرص تدريب وعمل مناسبة للأشخاص ذوي التوحد، لا ينبغي أن ننفق سنوات في تعليم الطفل وتأهيله، ثم نتركه في المنزل عندما يكبر، من دون أن نبحث عن المجال الذي يستطيع أن يعمل فيه.

إذا كان هناك شاب موهوب في الطبخ، فيجب أن يجد تدريبا مناسبا، وإذا كانت لديه مهارة في الموسيقى أو الرياضة أو مجال آخر، فيجب مساعدته على تطويرها، المطلوب ليس مجرد توظيف شكلي، بل توفير مكان عمل يتناسب مع قدراته واختلافاته، وأضيف إلى ذلك ضرورة تقديم الدعم النفسي للأم والأب والإخوة، وتدريب الأسرة على التعامل مع التوحد، لأن الطفل لا يعيش منفصلا عن أسرته، وأي دعم يقدم له يجب أن يأخذ في الاعتبار البيئة التي يعيش فيها.

أريد أن تجد الأم من يرشدها منذ البداية، وأن تعرف ما الذي ينبغي أن تفعله، وما الذي لا تحتاج إلى إهدار وقتها ومالها فيه، وأن تجد أمامها طريقا واضحا بدلا من التنقل بين التجارب والبرامج المختلفة.

س: وبعد كل هذه السنوات، لو عادت بك الأيام إلى لحظة اكتشاف توحد محمد وهو في الثالثة، ماذا كنتِ ستقولين لنفسك وقتها؟ وماذا تقولين اليوم لكل أم تجلس في المكان نفسه الذي جلستِ فيه؟

ج: لو عاد بي الزمن، لقلت لنفسي لا تخافي إلى هذه الدرجة، ولا تسمحي للخوف بأن يسيطر على حياتك، لا تسمعي لكل ما يقال لك، ولا تشعري بالذنب لأنك لا تعرفين منذ البداية ما الذي ينبغي أن تفعليه، أنت تتعلمين مع ابنك، ومن حقك أن تبحثي وأن تخطئي وأن تعيدي المحاولة، كنت سأقول لنفسي أيضا، لا تتبعي كل علاج جديد تسمعين عنه، ولا تجربي كل شيء من دون خطة واضحة، لقد قضيت نحو أربع سنوات لا أفعل فيها شيئا تقريبا سوى البحث عن طرق لمساعدة محمد، وتجربة أساليب مختلفة، من منع الأجهزة الإلكترونية إلى جلسات التخاطب والبرامج التي قيل لي إنها قد تفيده، كنت أوقف جزءا كبيرا من حياتي من أجل هذه التجارب، لكنني اكتشفت أنني بحاجة إلى تنظيم وقتي، ووضع جدول واضح، وتحديد أهداف واقعية أستطيع العمل عليها، من أكثر الأشياء التي ساعدتني تنظيم يوم محمد، أن أحدد ما سيفعله خلال اليوم، ومتى سيذهب إلى الجيم، ومتى ينام، وما الأنشطة التي سيمارسها، التنظيم يمنحني أنا أيضا قدرا من الوضوح، ويجعلني أستطيع الاهتمام به من دون أن تتحول حياتي كلها إلى محاولات متواصلة لا تنتهي، كما كنت سأقول لنفسي، لا تبني كل خططك على توقع أن ابنك سيصبح بعد ثلاث أو أربع سنوات مثل بقية الشباب، أو أن حياته ستسير بالضرورة وفق الصورة التي تتمنينها، احترمي اختلافه، وانظري إلى قدراته الحقيقية، وساعديه على أن يعيش سعيدا في الحياة التي تناسبه، لا أريد أن أظل أنتظر أن يصبح محمد شخصا آخر حتى أكون سعيدة به، أريد أن أعيش حياتي معه، وأن أهيئ له حياة يكون فيها سعيدا، وفق قدراته واحتياجاته، لا وفق أحلامي وتوقعاتي وحدها، أما رسالتي لكل أم، فهي أن تتوقف عن لوم نفسها، وأن تتعلم كيف تكتشف قدرات طفلها، وأن تبحث عن الطريق المناسب له بدلا من أن تتبع كل ما تسمعه، لا تقارني طفلك بأطفال آخرين، ولا تجعلي الاختلاف سببا في فقدان الأمل.

تعلمي أن تلاحظي ما يحبه وما لا يحبه، وجربي معه أنشطة مختلفة، وامنحيه الوقت حتى تكتشفي ما يناسبه، لا تضغطي عليه بتوقعات أكبر من قدراته، ولا تتوقعي نتائج سريعة في كل مرة،وأقول لكل أم أيضا، لا توقفي حياتك من أجل طفلك، ولا تعتقدي أن حبك له يعني أن تتخلي عن نفسك أو عن بقية أسرتك، أنت تحتاجين إلى أن  تكوني بخير حتى تستطيعي الاستمرار في دعمه، وهو يحتاج إلى أن يعيش حياة تخصه، لا أن تكون حياته كلها محاولات لإرضاء توقعات الآخرين،أحيانا نحتاج إلى أن نغيّر نظرتنا إلى الطفل، لا أن نحاول تغييره طوال الوقت، بالنسبة إليّ، كان قبول اختلاف محمد خطوة أساسية في رحلتي معه، هو شاب مختلف، وله قدراته واحتياجاته، ودوري أن أساعده على أن يعيش حياة سعيدة بقدر ما يستطيع، وأتمنى أن يتجاوز المجتمع مرحلة التشجيع والتقبل فقط، إلى توفير فرص حقيقية للأشخاص ذوي التوحد في التعليم والعمل والحياة اليومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *