تقارير

في ذكرى رحيل سعيد صالح.. “فتى المسرح” الذي أضحك أجيالا

تحل علينا في الأول من أغسطس ذكرى رحيل الفنان الكبير سعيد صالح، أحد أبرز نجوم الكوميديا في تاريخ الفن المصري، الذي استطاع على مدار أكثر من خمسة عقود أن يرسخ مكانته بموهبته الفريدة وحضوره العفوي على خشبة المسرح وأمام الكاميرا. لتبقى أعماله و شخصياته حاضرة في وجدان أجيال من المشاهدين.

ولد سعيد صالح إبراهيم في 31 يوليو 1940 بقرية مجيريا التابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية، قبل أن ينتقل مع أسرته إلى القاهرة ويقضي جانبا كبيرا من طفولته في حي السيدة زينب. ونشأ وسط أسرة بسيطة، وأتم تعليمه حتى حصل على ليسانس الآداب من جامعة القاهرة عام 1960.

وبدأت موهبته الفنية في الظهور خلال سنوات الدراسة الجامعية، حيث شارك في المسرح الجامعي إلى جانب عدد من زملائه الذين أصبحوا فيما بعد من كبار نجوم الفن، وفي مقدمتهم عادل إمام وصلاح السعدني. وكانت نقطة التحول في حياته عندما اكتشفه الفنان حسن يوسف، وقدمه إلى مسرح التلفزيون، لتبدأ رحلته الاحترافية في عالم التمثيل.

شارك سعيد صالح في عدد من الأدوار الصغيرة خلال ستينيات القرن الماضي ، من بينها أفلام قصر الشوق عام (1966) ، والدخيل (1967) ، وكيف تسرق مليونير (1968) ، إلا أن انطلاقته الحقيقية جاءت مع المسرح ، ففي عام 1973 قدم شخصية “مرسي الزناتي” في مسرحية “مدرسة المشاغبين” لتي تعد واحدة من أشهر المسرحيات في تاريخ المسرح العربي، وشارك في بطولتها عادل إمام، وأحمد زكي، ويونس شلبي، وسهير البابلي.

وبعد هذا النجاح الكبير ، عاد عام 1979 ليقدم شخصية “سلطان السكري” في مسرحية “العيال كبرت” ، التي كرسته نجما جماهيريا، وأصبحت واحدة من علامات المسرح الكوميدي المصري.

واشتهر صالح بخروجه العفوي عن النص المسرحي، وهو ما أضفى على عروضه طابعا خاصا، حتى لقب بـ”ملك الخروج عن النص”، كما كان يصف نفسه دائما بـ”فتى المسرح”، مؤكدا أن المسرح هو عشقه الأول رغم نجاحه الكبير في السينما.

قدم سعيد صالح أكثر من 500 فيلم سينمائي، وكان يردد دائما: “السينما المصرية أنتجت نحو 1500 فيلم، وأنا نصيبي منها الثلث” ، ومن أبرز أفلامه : هاربان من الحب (1970) ، مولد يا دنيا (1976) ، العسكري شبراوي (1982) ، الهلفوت (1984) ، سلام يا صاحبي (1986) ، الجردل والكنكة (1996) ، بالألوان الطبيعيبة (2009) ، ومتعب وشادية (2012) الذي كان من آخر أعماله السينمائية .

كما شارك في العديد من المسلسلات التلفزيونية أهمها : هارب من الأيام (1962) ، أحلي الأيام (1975) ، أحلام الفتى الطائر (1978) ، السقوط في بئر سبع (1994) ، أوان الورد (2000) ، و فرح العمدة (2012) ، وقدم أيضا العديد من الأعمال الإذاعية والسهرات التليفزيونية والفوازير، وكان حضوره لافتا في مختلف الوسائط الفنية.

وظل المسرح الأقرب إلى قلب سعيد صالح طوال حياته، وقدم أكثر من 300 مسرحية، من بينها : هاللو شلبي (1969) ، اللص الشريف (1971) ، كباريه (1974) ، تحت الصفر (1979) ، كعبلون (1985) ، البعبع (1990) ، حلو وكداب (2001) ، و قاعدين ليه؟ (2005) .

ارتبط اسم سعيد صالح بالفنان عادل إمام في واحدة من أشهر الثنائيات الفنية في تاريخ السينما والمسرح المصري ، حيث جمعتهما أعمال بارزة ، منها : “رجب فوق صفيح ساخن” ، “المشبوه” ، “انا اللي قتلت الحنش” ، “سلام يا صاحبي” ، “أمير الظلام” و “زهايمر” ..كما استمرت صداقتهما خارج الشاشة لعقود طويلة .

وعن حياته الشخصية ، تزوج سعيد صالح في بداية حياته من السيدة نادية، وأنجب منها ابنته الوحيدة هند، ثم انفصل عنها ، ثم تزوج في سنواته الأخيرة من شيماء فرغلي ، التي ظلت إلى جواره خلال فترة مرضه ، وعرف عنه عشقه لكرة القدم وتشجيعه للنادي الأهلي، كما كان مولعا بالغناء والتلحين، ولحن وغنى عددا من الأغنيات في أعماله المسرحية والسينمائية.

تعرض سعيد صالح لعدد من المحطات الصعبة خلال حياته، من بينها الجدل الذي أثاره خروجه عن النص في مسرحية “لعبة اسمها الفلوس” في أوائل الثمانينيات ، كما واجه أزمة قانونية أدت إلى صدور حكم بحبسه وقضى على إثرها فترة من العقوبة ، ورغم ذلك واصل مسيرته الفنية وحافظ على مكانته لدى جمهوره، مؤكدا في لقاءاته الإعلامية أن تلك التجارب منحته فرصة لمراجعة نفسه، والاقتراب أكثر من الجانب الروحي، حيث حرص على قراءة القرآن وأداء مناسك الحج لسنوات متتالية.

نال الراحل عددا من التكريمات خلال مسيرته، كان من أبرزها تكريمه في مهرجان المركز الكاثوليكي المصري للسينما عام 2007، تقديرا لعطائه الفني الطويل ، كما حظي بتكريمات من جهات ثقافية وفنية مختلفة احتفاء بمشواره الممتد.

بدأت معاناة سعيد صالح الصحية في عام 2005، بعد إصابته بضيق شديد في ثلاثة شرايين بالقلب، وخضع للعلاج لفترة طويلة، ما أدى إلى تقليل نشاطه الفني خلال سنواته الأخيرة، كما عانى من متاعب صحية متكررة حتى رحل عن عالمنا في صباح الجمعة الموافق الأول من أغسطس عام 2014 عن عمر ناهز 74 عاما إثر أزمة قلبية حادة ، وذلك بعد يوم واحد فقط من احتفاله بعيد ميلاده ، وشيعت جنازته بحضور عدد كبير من الفنانين ومحبيه، ودفن في مسقط رأسه بقرية مجيريا بمحافظة المنوفية.

ورغم مرور سنوات على رحيله ، لا يزال سعيد صالح حاضرا بأعماله التي شكلت جزءا أصيلا من تاريخ الفن المصري والعربي. فقد استطاع بخفة ظله وموهبته الاستثنائية أن يحجز لنفسه مكانة خاصة بين كبار الفنانين، وأن يترك بصمة لا تمحى في المسرح والسينما والدراما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *