اتجاهاتكتابنا

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾…بين الانفصال والانقسام

بقلم أحمد سمير المصري

حين ينفصل الوالدان وينقسم قلب الطفل بينهما

حين نتحدث عن الطلاق، كثيراً ما تنصرف الأحاديث إلى الحقوق والواجبات والحضانة والنفقات ومواعيد الرؤية، بينما يبقى الطرف الأكثر تأثراً في كثير من الأحيان بعيداً عن دائرة الضوء. 

إنه الطفل الذي يجد نفسه فجأة أمام واقع لم يختره، ويحاول أن يتكيف مع حياة جديدة لم يتوقعها.

فالطفل لا ينظر إلى الخلافات الزوجية كما ينظر إليها الكبار. لا يشغله من كان على حق ومن كان على خطأ، ولا يفكر في تفاصيل النزاعات التي أدت إلى الانفصال. كل ما يعرفه أنه يحب أمه ويحب أباه، وأنه كان يتمنى أن يبقى هذا العالم الصغير الذي لم يعرف غيره بعد مستقراً ومستقرً آمناً .

عندما يقع الطلاق، يبدأ الطفل رحلة مختلفة. ينتقل بين منزلين، ويحمل حقيبته الصغيرة في من مكان إلى آخر، و يحمل في داخله ما هو أثقل من ذلك بكثير. يذهب إلى أمه فيشتاق إلى أبيه، ويذهب إلى أبيه فيشتاق إلى أمه. وحين يجلس مع أحدهما، يشعر أن قلبه مقسم وجزءاً منه مع الآخر.

وربما يبدو متماسكاً أمام الجميع، وربما ينجح في التكيف مع الظروف الجديدة، لكن ذلك لا يعني أنه لم يتألم. فكثير من الأطفال يتعلمون إخفاء مشاعرهم أكثر مما يتعلمون التعبير عنها. 

وقد تمر السنوات بينما تبقى بعض الأسئلة والمشاعر حبيسة داخلهم دون أن يلاحظها أحد.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي أن ننظر إلى القضية من جميع جوانبها. فالحديث عن معاناة أطفال الطلاق لا يعني أن استمرار الحياة الزوجية هو الحل دائماً. فهناك أسر تتحول فيها الحياة إلى سلسلة متواصلة من الصراعات والخلافات والتوترات التي تستنزف الجميع، كباراً وصغاراً. وهناك أطفال يعيشون يومياً في أجواء من الخصام والصراخ والعداء، فيفقدون الإحساس بالأمان والاستقرار رغم وجود الأب والأم تحت سقف واحد.

ولذلك فإن بعض المواقف تضع الطفل أمام واقع مؤلم، يكون فيه بين ضررين لا بين خير وشر، وبين خيارين أحلاهما مر. فاستمرار الصراع قد يكون مؤذياً، والانفصال قد يكون مؤلماً، ويبقى التحدي الحقيقي في اختيار أقل الضررين وتقليل آثارهما قدر الإمكان.

ولعل ما يؤكد هذا الفهم المتوازن أن الدراسات الحديثة تشير إلى أن الأثر النفسي الواقع على الأطفال لا يرتبط بالطلاق وحده، بل يرتبط كذلك بمستوى الصراع بين الوالدين قبل الانفصال وبعده. وقد وجدت أبحاث عديدة أن الأطفال الذين ينشأون في بيئات يسودها النزاع المستمر والتوتر الحاد قد يعانون من آثار نفسية وعاطفية عميقة، وأن انخفاض حدة الصراع بعد الانفصال قد يكون في بعض الحالات أفضل من استمرار حياة أسرية مضطربة لا توفر للطفل الأمان النفسي الكافي .

لكن قبل أن تصل الأمور إلى هذه المرحلة، يبقى سؤال مهم ينبغي أن يطرحه كل زوجين على نفسيهما: هل بذلنا ما نستطيع للحفاظ على الأسرة؟ هل حاولنا الإصغاء لبعضنا بعضاً؟ هل أعطينا للحوار فرصة حقيقية؟ هل قدم كل طرف شيئاً من الصبر والتغافل والتنازل من أجل استمرار البيت وحماية الأبناء؟

إن أسرنا لا تحتاج إلى أشخاص مثاليين، فالكمال ليس من صفات البشر. لكنها تحتاج إلى قلوب تدرك قيمة الرحمة، وعقول تؤمن بالحوار، ونفوس تعرف أن الحياة الزوجية لا تقوم على الحقوق وحدها، بل تقوم أيضاً على المودة والتسامح والإحسان وحسن العشرة.

ونحن نعيش في زمن تتعرض فيه الأسرة لكثير من الضغوط والتحديات والتيارات الجارفة التي تهدد استقرارها، تصبح الحاجة أكبر إلى التمسك بما يجمعنا لا بما يفرقنا، وإلى البحث عن مساحات التفاهم بدلاً من توسيع دوائر الخلاف. فكم من بيت نجا بسبب كلمة طيبة، وكم من أزمة انتهت بسبب حكمة أو صبر أو تنازل متبادل.

وإذا كان الانفصال في بعض الحالات قد يصبح أمراً لا مفر منه، فإن مسؤولية الوالدين لا تنتهي عند توقيع الأوراق أو مغادرة أحدهما المنزل. فالطفل يظل بحاجة إلى الحب والاحتواء والشعور بالأمان، ويظل بحاجة إلى أن يرى الاحترام قائماً بين والديه مهما اختلفت الطرق وتباعدت المسافات.

ولعل ما نحتاج إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى هو أن نعود إلى المعاني العظيمة التي جاء بها ديننا الحنيف من مودة ورحمة وسكينة، وأن نستحضر قيم العفو والتغافر والإحسان وحسن العشرة، وأن ندرك أن الأسرة ليست مجرد علاقة بين رجل وامرأة، بل حصن للأبناء وسكن للقلوب وأمان للمجتمع كله. فكلما ابتعدنا عن هذه المعاني، ازدادت الخلافات واتسعت الفجوات بين القلوب.

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *