اتجاهاتمقالات

أبو الحسين غنوم يكتب: ناصر بوريطة… دبلوماسية المغرب الهادئة 

لا تُقاس قيمة الدبلوماسي في السياسة الخارجية بكثرة ما يُقال، وإنما بقدرته على تحويل الموقف إلى تأثير، والخلاف إلى مساحة تفاوض، والعلاقة إلى مصلحة مستدامة، ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة ناصر بوريطة، جديرة بقراءة تتجاوز الصورة التقليدية لوزير الخارجية؛ فهو دبلوماسي تشكل داخل المؤسسة المغربية، وتدرج في ملفات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والبعثات الدبلوماسية قبل أنّ يتولى حقيبة الخارجية عام 2017، وهي مسيرة مهنية تفسر جانبًا مهمًا من أسلوبه في إدارة الكثير من الملفات، بغض النظر إلى السياسة الخارجية باعتبارها مسارًا طويلًا لا مجموعة من المواقف المنفصلة.

تبرز خبرة بوريطة في كونه دبلوماسي مخضرم نجح في بناء علاقات المغرب الحقيقية قبل الحاجة إليها، وربط السياسة بالاقتصاد، فضلًا عن الحضور الثنائي بالعمل متعدد الأطراف، والملفات الوطنية بالشبكة الأوسع لمصالح الدولة.

ففي إفريقيا على سبيل المثال، تحرك المغرب خلال السنوات الأخيرة وفق رؤية تعتبر القارة مجالًا استراتيجيًا وشريكًا في التنمية والتكامل، لا مجرد دائرة جغرافية، وفي أبريل 2026، وقعت الرباط ونيامي 14 اتفاقية ومذكرة تفاهم في مجالات متنوعة، في نموذج يعكس كيف يمكن للعلاقات السياسية أنّ تتحول إلى مصالح عملية طويلة الأمد. 

 وهذه نقطة جوهرية في فهم الدبلوماسية الحديثة، الدولة لا تبني نفوذها فقط بعدد الدول التي تُؤيد مواقفها، وإنما أيضًا بعدد المصالح التي تجعل استمرار علاقاتها مع الآخرين أمرًا مفيدًا للطرفين.

وفي أوروبا، تتحرك الدبلوماسية المغربية بمنطق مشابه، مع محاولة توسيع الشراكة من علاقة جوار إلى علاقة استراتيجية متعددة المستويات، تشمل الاقتصاد والأمن والطاقة والربط بين أوروبا وإفريقيا، وفي يناير 2026، أكد بوريطة في بروكسل تطلع المغرب إلى شراكة أعمق وأكثر استراتيجية وقدرة على الصمود مع الاتحاد الأوروبي، هنا لا يعود الموقع الجغرافي مجرد حقيقة، وإنما يتحول إلى قيمة سياسية واقتصادية تستطيع الدولة توظيفها في بناء شراكات أوسع.

لكن الاختبار الأكثر حساسية يظل ملف الصحراء المغربية، لأنه ملف لا تحسمه اللحظة ولا تُدار تعقيداته بالخطاب وحده، في القضايا الممتدة لعقود، لا يكفي أنّ تكرر الدولة موقفها؛ الأهم أنّ تعمل على البيئة التي يُناقش فيها هذا الموقف. 

وفي 31 أكتوبر 2025، اعتمد مجلس الأمن القرار 2797، الذي جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسًا للمفاوضات في إطار العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، مع استمرار المسار الأممي، ولا تحتاج قراءة هذا التطور إلى مبالغة؛ فالملف لم يُغلق، لكن موقع المقترح المغربي داخل مسار التفاوض أصبح أكثر حضورًا، وهذه في حد ذاتها نتيجة لا يمكن فصلها عن تراكم دبلوماسي طويل.

هنا تظهر قيمة النفس الطويل الذي تحتاجه القضايا الدولية الكبرى، فالدبلوماسي لا يستطيع دائمًا أنّ يختار النتيجة، لكنه يستطيع أنّ يعمل على تغيير شروط الوصول إليها، لا يستطيع أنّ يجعل الجميع يتبنى موقفه، لكنه يستطيع أنّ يجعل هذا الموقف جزءًا من أي نقاش جاد، ولا يستطيع أنّ يمنع الخلافات، لكنه يستطيع أن يحول دون تحولها إلى قطيعة دائمة.

بوريطة بحكم تكوينه المهني، يعرف أنّ ما يظهر أمام الكاميرات ليس سوى الجزء المرئي من الدبلوماسية، الجزء الأكبر يحدث في الاتصالات، والمشاورات، وفهم مصالح الأطراف، واختيار التوقيت، وترك القنوات مفتوحة عندما يكون إغلاقها أسهل سياسيًا في اللحظة الراهنة، هذه ليست تفاصيل ثانوية؛ إنها جوهر العمل الدبلوماسي.

والدبلوماسي الذكي لا يخلط بين الثبات والجمود، الثبات أنّ تعرف ما الذي تريد الحفاظ عليه، والمرونة أنّ تعرف كيف تصل إليه في عالم تتغير فيه الظروف باستمرار، لذلك يمكن أّن تختلف مع دولة دون أن تقطع علاقتك بها، ويمكن أنّ تتعاون معها في ملف دون أن تتفق معها في كل الملفات، ويمكن أنّ تكون حازمًا في قضية دون أن تحول الحزم إلى استفزاز، هذه القدرة على الفصل بين الملفات واحدة من أهم أدوات الدبلوماسية الواقعية.

ومن هنا لا تبدو قوة بوريطة في ارتفاع نبرة الخطاب، وإنما في فهمه لقيمة التراكم، فالعلاقة التي تُبنى قبل الأزمة قد تصبح ورقة مهمة أثناءها، والشراكة الاقتصادية قد تمنح العلاقة السياسية عمقًا أكبر، والحضور في مؤسسة دولية قد يرفع قيمة موقف ثنائي، والنجاح في ملف قد يفتح بابًا لملف آخر.

الدبلوماسية في النهاية ليست مجموعة غرف منفصلة؛ إنها شبكة واحدة، وكل خطوة فيها يمكن أنّ تؤثر في الخطوة التالية، ولهذا فإن الحنكة الدبلوماسية لا تُعني أنّ تربح كل مواجهة، أحيانًا تكون الحنكة في ألا تسمح لمواجهة واحدة بأن تستهلك رصيد علاقة كاملة. 

وأحيانًا يكون أفضل انتصار هو أنّ تُحافظ على قدرتك على التفاوض بعد انتهاء الخلا،. فالدولة لا تحتاج إلى أنّ تنتصر في كل جولة، بقدر حاجتها إلى أنّ تدخل الجولة التالية وهي ما زالت تملك خياراتها.

وهنا يمكن فهم جانب مهم من تجربة ناصر بوريطة، قدرته على العمل داخل رؤية الدولة المغربية ومؤسساتها، لا باعتباره بديلًا عنها، وإنما باعتباره أحد أدواتها الدبلوماسية، وهذه نقطة مهمة لأن السياسة الخارجية الناجحة لا تُبنى على الأشخاص وحدهم، وإنما على استمرارية المؤسسة، وعلى وضوح الرؤية، وعلى قدرة المسؤول على تحويل هذه الرؤية إلى علاقات وسياسات قابلة للحياة.

لذلك فإنّ وصف بوريطة بأنه دبلوماسي محنك لا ينبغي أنّ يكون مجرد مجاملة، المحنك في السياسة الدولية هو من يعرف أن لكل كلمة تكلفة، ولكل خطوة توقيتًا، ولكل علاقة حدودًا، ولكل أزمة ما بعدها، وهو من يُدرك أنّ المرونة في الوسيلة لا تعني التنازل عن الهدف، وأن الحزم لا يعني إغلاق الأبواب.

ربما لهذا فإنّ أفضل ما يمكن أنّ يقال عن تجربة ناصر بوريطة ليس أنه الأكثر حضورًا أو الأكثر صخبًا، وإنما أنه يعمل في منطقة أكثر هدوءًا وأعمق أثرًا: منطقة بناء الخيارات.

فالدولة التي تمتلك علاقات متنوعة، ومصالح متشابكة، وشراكات متعددة، وقنوات حوار مفتوحة، تكون أكثر قدرة على التعامل مع عالم متغير، وحين تصبح مصالح الآخرين مرتبطة باستمرار العلاقة معك، يتحول التعاون من مجاملة سياسية إلى مصلحة مشتركة.

وهذه هي الدبلوماسية في صورتها الأكثر نضجًا، أنّ تحافظ الدولة على ثوابتها، لكنها لا تحبس نفسها داخل أداة واحدة؛ أنّ تتحدث بوضوح، لكنها لا تهدم جسور التواصل؛ أنّ تتمسك بمصالحها، لكنها تفهم مصالح الآخرين؛ وأنّ تدخل أي تفاوض وهي تعرف ما تُريد، والأهم أنها تعرف ماذا ستفعل إذا لم تحصل عليه فورًا.

لا يُقاس نجاح الدبلوماسي بعدد العناوين التي تصنعها تصريحاته، وإنما بما تتركه حركته وراءها من قدرة إضافية لدولته على الاختيار، ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن قراءة ناصر بوريطة، دبلوماسي مهني يعرف أنّ النفوذ لا يحتاج دائمًا إلى صوت مرتفع، وأنّ أثقل الأوراق هي تلك التي تُبنى بهدوء، وأنّ أفضل خدمة يمكن أن تقدمها الدبلوماسية لبلادها هي أن تجعل خياراتها غدًا أوسع مما كانت عليه اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *