في عيد ميلاده… الملك محمد السادس ورحلة بناء مغرب حديث
هند الصنعاني
في 21 أغسطس من كل عام، يستعيد المغاربة مسيرة ملك ارتبط اسمه خلال العقود الماضية بتحولات عميقة شهدها المغرب على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، هو الملك محمد السادس، الذي يحتفل اليوم بعيد ميلاده الثالث والستين، بعدما أمضى أكثر من 27 عاماً على عرش المملكة.
ولد محمد بن الحسن بن محمد بن يوسف العلوي في الرباط يوم 21 أغسطس1963، وهو الملك الثالث للمغرب منذ الاستقلال بعد جده الملك محمد الخامس ووالده الملك الحسن الثاني، والملك الثالث والعشرون في سلالة الدولة العلوية التي تحكم المغرب منذ القرن السابع عشر.
ومنذ سنواته الأولى، تلقى الملك محمد السادس تكوينا يجمع بين التعليم الديني والأكاديمي، ففي الرابعة من عمره ألحقه والده الملك الحسن الثاني بالمدرسة القرآنية في القصر الملكي، ثم تابع دراسته في المدرسة المولوية، وحصل على شهادة البكالوريا عام 1981، قبل أن ينال الإجازة في الحقوق عام 1985 من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط، عن بحث حمل عنوان «الاتحاد العربي الأفريقي واستراتيجية المملكة المغربية في ميدان العلاقات الدولية».
واصل الأمير آنذاك مساره الأكاديمي، فحصل عام 1987 على شهادة الدراسات العليا المعمقة في العلوم السياسية بامتياز، ثم تابع دراساته في القانون العام، وأجرى في بروكسل عام 1988 تدريبا لدى ديوان جاك دولور، رئيس لجنة المجموعات الأوروبية آنذاك. وفي 29 أكتوبر 1993، حصل على الدكتوراه في القانون من جامعة نيس صوفيا أنتيبوليس في فرنسا، عن أطروحة تناولت التعاون بين السوق الأوروبية المشتركة واتحاد المغرب العربي. كما منحته جامعة جورج واشنطن درجة الدكتوراه الفخرية عام 2000.
من ولي العهد إلى قيادة المغرب
قبل اعتلائه العرش، كان محمد السادس قد بدأ منذ سن مبكرة في تحمل مسؤوليات وطنية ودولية، إذ أوفده والده ممثلا له في عدد من المناسبات والمهام الرسمية، وكانت أول مهمة خارجية له في 6 أبريل 1974، عندما مثل الملك الحسن الثاني في القداس الذي أقيم بكاتدرائية نوتردام في باريس إثر وفاة الرئيس الفرنسي جورج بومبيدو.
كما ترأس الوفود المغربية المشاركة في مؤتمرات ولقاءات إقليمية ودولية، وشارك في عدد من القمم والفعاليات الأفريقية والعربية والدولية، وزار دولا عدة، بينها السعودية واليابان، ومثل والده في مناسبات دولية بارزة.
وكان حضور ولي العهد الشاب قريبا من المغاربة، إذ ارتبط في الذاكرة الشعبية بصورة الأمير الذي يقترب من الناس ويتفاعل مع قضاياهم، وهي صورة ازدادت رسوخا بعد توليه العرش، خصوصا مع حرصه على التواصل المباشر والنزول إلى الشارع واللقاء بالمواطنين بعيدا عن القيود البروتوكولية المشددة في عدد من المناسبات.
وفي 23 يوليو1999، اعتلى محمد السادس عرش المغرب عقب وفاة والده الملك الحسن الثاني، وتلقى البيعة في القصر الملكي بالرباط. وبعد أيام، في 30 يوليو، ألقى أول خطاب للعرش، ليصبح هذا التاريخ موعدا رسميا للاحتفال بعيد العرش.
ملك يضع الإنسان في قلب المشروع
من أبرز ملامح عهد محمد السادس، البعد الإنساني الذي حرص على إظهاره في تعامله مع المواطنين، خصوصا المرضى والأشخاص في وضعيات اجتماعية صعبة وذوي الاحتياجات الخاصة، من خلال تدخلات ومساعدات وبرقيات ومبادرات مباشرة.
هذه الصورة الإنسانية للملك لم تكن منفصلة عن رؤيته السياسية والاجتماعية، فقد جعل من خدمة المواطن وتحسين ظروف العيش محورا متكررا في السياسات والمشاريع التي شهدها المغرب خلال عهده.
ومع مرور السنوات، اتجه المغرب إلى توسيع برامج التنمية البشرية والحماية الاجتماعية، وصولا إلى ورش الدولة الاجتماعية الذي عرف توسعا كبيراً خلال السنوات الأخيرة. ووفق بيانات الحكومة المغربية، استفاد برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، الذي انطلق في ديسمبر 2023، من نحو 4 ملايين أسرة، أي قرابة 12 مليون مواطن، بحلول عام 2026.
إصلاحات سياسية ودبلوماسية نشطة
سياسيا، ارتبط عهد محمد السادس بسلسلة من الإصلاحات القانونية والمؤسساتية، من أبرزها دستور 2011 الذي جاء في سياق إقليمي ودولي مضطرب، وركز على توسيع الحقوق والحريات وتعزيز مكانة المؤسسات.
كما شهد المغرب في عهده إصلاحات اجتماعية وقانونية مهمة، بينها إصلاح مدونة الأسرة، إلى جانب العمل على تعزيز حضور المرأة ودورها في المجتمع.
وعلى الصعيد الخارجي، عمل الملك محمد السادس على إعادة تموقع المغرب إقليميا وقاريا، خصوصا عبر تعزيز العلاقات مع الدول الأفريقية والانفتاح على شركاء دوليين جدد، بالتوازي مع الدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمملكة، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية والتحول التاريخي الذي عرفه مسار هذه القضية الوطنية من خلال صدور القرار الأخير لمجلس الأمن لصالح دعم مقترح الحكم الذاتي باعتباره الحل الأكثر واقعية.
وقد أصبحت الدبلوماسية المغربية خلال عهده أكثر حضورا في القارة الأفريقية، مستفيدة من الموقع الجغرافي للمملكة كحلقة وصل بين أوروبا وأفريقيا، ومن شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والسياسية.
من طنجة المتوسط إلى «البراق»… بنية تحتية ترسم ملامح مغرب جديد
اقتصاديا، شهد المغرب خلال عهد محمد السادس إطلاق مجموعة من المشاريع الكبرى التي أعادت رسم خريطة البنية التحتية في المملكة.
في مقدمة هذه المشاريع يأتي ميناء طنجة المتوسط، الذي تحول إلى واحد من أهم المراكز المينائية في أفريقيا والمتوسط، وأصبح، وفق المعطيات الرسمية المغربية، أول مركز مينائي في أفريقيا والمتوسط، إضافة إلى ميناء الناظور حيث من المرتقب أن يبدأ تشغيله في الربع الأخير من العام الجاري.
ثم جاء مشروع «نور ورزازات» للطاقة الشمسية، ليعكس توجه المغرب نحو الطاقات المتجددة وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية. ويُعد المركب من أكبر مشاريع الطاقة الشمسية المركزة في العالم، وكان أحد أبرز رموز التحول المغربي نحو الطاقة النظيفة.
وفي نوفمبر 2018، دخل المغرب مرحلة جديدة في قطاع النقل مع إطلاق قطار «البراق» فائق السرعة، الذي يربط طنجة بالدار البيضاء، ليصبح أول قطار فائق السرعة في أفريقيا، ويختصر المسافة بين قطبين اقتصاديين رئيسيين في المملكة.
ولم تتوقف الاستثمارات عند النقل والطاقة والموانئ، بل امتدت إلى الطرق والمطارات والمناطق الصناعية واللوجستية، بما ساهم في تعزيز قدرة المغرب على استقطاب الاستثمارات الأجنبية وربط اقتصاده بسلاسل الإنتاج العالمية.
صناعة السيارات… المغرب يتحول إلى قوة صناعية أفريقية
ومن أبرز التحولات الاقتصادية التي شهدها المغرب خلال عهد محمد السادس صعود قطاع صناعة السيارات، الذي أصبح أحد أعمدة الاقتصاد والصادرات، حيث حققت صناعة السيارات في المغرب سنة 2023 مبيعات تقدر بحوالي 14 مليار دولار بفضل المنظومة الصناعية التي تضم حوالي 250 مصنعًا، وتساهم هذه المنظومة في تصنيع أكثر من 570 ألف سيارة، أي تقريبًا سيارة كل دقيقة عمل، مع توقعات بزيادة هذا الرقم إلى مليون سيارة بحلول سنة 2030، ولعل المساهم الأكبر هو “مجمع طنجة”، أحد أكبر مصانع السيارات في أفريقيا، حيث ينتج أكثر من 400 ألف سيارة، إلى جانب المصنع المتواجد بمدينة القنيطرة، وقد أتاحت هذه المصانع للمغرب استيراد التقنيات والخبرات اللازمة، مما أدى إلى نمو قاعدة صناعية متخصصة وزيادة عدد الشركات المحلية والأجنبية الموردة لقطع السيارات والمكونات المختلفة.
لم تقتصر الصناعة في المغرب على السيارات فقط، بل توجهت المملكة المغربية إلى تطوير صناعة الطائرات، حيث أصبحت مركزا مهما في مجال الصناعات الجوية في أفريقيا باستقطاب أكثر من 140 شركة عالمية، ما يجعل قطاع صناعة الطيران أحد القطاعات الواعدة للاقتصاد المغربي.
وهكذا لم يعد المغرب يُنظر إليه باعتباره سوقا استهلاكية فقط، بل تحول تدريجيا إلى منصة صناعية وتصديرية، مستفيداً من موقعه الجغرافي، وبنيته التحتية، واتفاقياته التجارية، والاستثمارات التي استقطبها في قطاعات السيارات والطيران والصناعات المرتبطة بهما.
أكثر من ربع قرن من الحكم
اليوم، وبعد أكثر من ربع قرن على اعتلائه العرش، يبدو المغرب مختلفا في كثير من جوانبه وقطاعاته، فقد اتسعت شبكة البنية التحتية، وتطورت قطاعات صناعية جديدة، وتعزز حضور المملكة في أفريقيا، وتوسعت مشاريع الطاقة المتجددة، وتقدمت أوراش الحماية الاجتماعية والتنمية البشرية.
وفي قلب هذه التحولات يقف الملك محمد السادس، الذي اختار منذ بداية عهده الجمع بين الاستمرارية والتحديث، وبين الحفاظ على استقرار الدولة والدفع بها نحو آفاق اقتصادية واجتماعية ودبلوماسية أوسع.
إن الحديث عن عهد محمد السادس لا يقتصر على الموانئ والقطارات والمشاريع الاقتصادية، بل يمتد إلى علاقة خاصة تشكلت بين العرش والمجتمع، تقوم في جانب منها على رمزية الملك باعتباره عنوانا للاستقرار والوحدة الوطنية، وفي جانب آخر على حضوره الإنساني الذي حرص على ترسيخه منذ سنواته الأولى وليا للعهد، فمسيرة أكثر من 27 عاما تختصر مشروعا متواصلا لبناء مغرب حديث، قوي اقتصاديا، حاضر دبلوماسيا، ومتقدم في بنيته التحتية، مع الحفاظ على خصوصيته وهويته، وفي عيد ميلاده الثالث والستين، يستعيد المغاربة مسيرة ملك بدأ حضوره في وجدانهم منذ أن كان وليا للعهد، ثم انتقل إلى قيادة المملكة في مرحلة مفصلية، ليصبح اسمه مرتبطا بمرحلة طويلة من التحولات التي أعادت رسم ملامح المغرب الحديث.
