إكرام عزوز في حوار خاص مع “أنباء عربية”: “من شارع الحبيب بورقيبة إلى العالمية… هكذا نبني المسرح الجديد”
حاورته هند الصنعاني
يُعد إكرام عزوز واحدا من أبرز الفنانين التونسيين الذين جمعوا بين التمثيل والإخراج والإنتاج في المسرح والسينما والتلفزيون، إلى جانب كونه مديرا للمسرح البلدي ومؤسسا ومديرا لمهرجان قرطاج الدولي للمونودراما، وقد عُرف بطابعه الكوميدي، ما منحه مكانة مميزة وصيتا مرموقا على المستويين التونسي والعربي.
امتدت مسيرته الفنية إلى آفاق دولية، حيث قدّم أعماله في أكثر من ثلاثين دولة عبر أوروبا وأفريقيا والعالم العربي وآسيا، وحقق خلالها العديد من الجوائز التي عززت مكانته في المشهد الثقافي.
كانت انطلاقته الاحترافية مع عزالدين قنون من خلال أعمال مثل “قمرة طاح” و”المصعد”، قبل أن يواصل مسيرته الفنية في تجارب مسرحية متنوعة، منها تعاونه مع محمد كوكا في “مدرسة النساء”، ومع البشير الدريسي في “على شط بحر الهوى”، إضافة إلى أعمال مع عبدالعزيز المحرزي مثل “فوندو” و”الماريشال”.
التقى “أنباء عربية” الفنان والأستاذ إكرام عزوز، ومن خلال حوار مثير تحدث فيه الفنان عن المهرجان وكيف استطاع عبر دوراته المتعاقبة، أن يتحول إلى ملتقى دولي يجمع فنانين وباحثين من مختلف الدول، رغم التحديات المرتبطة بالإمكانات والظروف الدولية. ولم يقتصر دوره على تقديم العروض، بل امتد ليشمل ورشات تكوينية، وندوات فكرية، وتجارب ميدانية تسعى إلى تطوير فن المونودراما وتعزيز حضوره.
وفي هذا السياق، يواصل عزوز الدفع بالمهرجان نحو آفاق أوسع، واضعا نصب عينيه هدفا واضحا يتمثل في تحقيق التوازن بين البعد الفني والتكويني، وترسيخ مكانة المهرجان كمنصة عالمية تُسهم في بناء جيل جديد من المسرحيين القادرين على الابتكار والتجديد.
مع اقتراب ختام الدورة الحالية، كيف تقيمون مستوى العروض والمشاركة الفنية هذا العام مقارنة بالدورات السابقة؟
أرى أن ما يُقدم حاليا ضمن فعاليات المهرجان الدولي للمونودراما في دورته الثامنة يؤكد بوضوح أن العروض تشهد تطورًا ملحوظًا، وأن التجربة المونودرامية في الوطن العربي باتت تأخذ أشكالًا فنية أكثر نضجًا وابتكارًا، كما تحقق نجاحات مهمة على مستوى التمثيل والأداء والتفاعل مع الجمهور.
لقد أصبحت العلاقة بين المؤدي والمتلقي علاقة جدلية قائمة على البناء والتأثير المتبادل، حيث تتشكل الشخصية عبر تفاعل حي بين الممثل والجمهور، وهو ما يمنح العرض عمقًا أكبر وقيمة فنية مضافة.
العروض التي شاهدناها حتى الآن، وتلك التي نتابعها ضمن اختيارات تمت بعناية من بين استمارات الترشح، تُعد أعمالًا وازنة ومتميزة، تحمل رؤى جديدة وطرحًا مختلفًا، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش نقدي ثري حول اختيارات المبدعين، من حيث الجرأة في الطرح وأساليب الأداء.
وبصراحة، يمكن اعتبار هذه الدورة من أبرز الدورات التي شهدت تقديم عروض ذات قيمة عالية، رغم وجود العديد من الأعمال المهمة التي تم اختيارها ولم تتمكن من الحضور بسبب الظروف الدولية الراهنة، لا سيما التوترات السياسية العالمية، ومن بينها العرض العراقي “حملة في المدينة” للدكتور منير راضي، بإخراج الدكتور رضا جاسم.
ومع ذلك، تبقى العروض المشاركة من دول مثل الجزائر، ليبيا، فلسطين، وتونس وغيرها، نماذج متميزة تعكس حيوية هذا الفن وتطوره، ونحن سعداء للغاية بمستوى هذه الأعمال وما تقدمه من إضافات نوعية للمشهد المسرحي العربي.
حملت هذه الدورة اسم الفنان الراحل فتحي الهداوي، كيف انعكس هذا التكريم على روح المهرجان وبرنامجه؟
يُعد اختيار فتحي الهداوي كنموذج لتجربة فنية متفردة قرارًا مستحقًا، فهو من الأسماء البارزة التي صنعت مسارًا إبداعيًا غنيًا ومتنوعًا في الساحة المسرحية والدرامية.
على المستوى الشخصي، تجمعني به صداقة قديمة، وأعرفه منذ بداياته الأولى، حين كان شابًا هاويًا يخطو خطواته الأولى في عالم الفن، وشارك في أعمال مسرحية مبكرة مثل “رجال وفئران” للكاتب جون شتاينبك. ومنذ ذلك الوقت، كان واضحًا طموحه الكبير ورغبته الدائمة في التميز والسعي لأن يكون الأفضل.
تميز الهداوي بمسيرة فنية مشرفة، وقدرة لافتة على التنويع في أداء الأدوار، إلى درجة تجعل المشاهد لا يتعرف عليه بسهولة من عمل لآخر، وهو ما يُحسب له كممثل يمتلك أدوات احترافية ورؤية فنية عميقة وتجربة ثرية.
كما عُرف بحضوره الثقافي الواسع، حتى أنه طُرح في فترة من الفترات لتولي منصب وزير الثقافة، وهو ما يعكس مكانته وقيمته في المشهد الثقافي.
إن تجربة فتحي الهداوي تمثل مصدر إلهام حقيقي للشباب، ونموذجًا يُحتذى به في الالتزام والتطور الفني، ولذلك كان اختياره عنوانًا لهذه الدورة تأكيدًا على هذه القيم.
وفي هذا السياق، تم التركيز على إبراز قدراته التمثيلية من خلال “ماستر كلاس” قدمتها الدكتورة جيهان إسماعيل، وهي أكاديمية تونسية مقيمة في مصر، حيث تناولت فيها ملامح تجربته الفنية وإمكاناته الأدائية، وذلك خلال فعالية أقيمت يوم 2 مايو، وشهدت تفاعلًا مميزًا وإشادة واسعة.
شهدت الدورة حضورا لافتا للتجارب الشبابية، إلى أي مدى نجح المهرجان في دعم الجيل الجديد من فناني المنودراما؟
عند تأسيس المهرجان، لم يكن هناك عدد كبير من الأعمال المونودرامية، ما وضعنا أمام تحدٍ حقيقي في اختيار عروض تمثل تونس بالشكل اللائق، لكن مع مرور الوقت، شهدت التجربة تطورا ملحوظا، وهو ما دفعنا إلى إطلاق “أيام المونودراما الشبابية” كمسار أساسي ضمن برنامج المهرجان.
استمر هذا المسار على مدار خمس سنوات، وحقق نجاحا كبيرا، خاصة مع حضور لجان تقييم دولية، رغم كونه موجهًا لفئة الشباب وعلى المستوى الوطني. وقد كشف هذا المسار عن تنوع لافت وتطور مهم في التجارب الشبابية، حيث لاحظنا انتقال بعض المشاركين من المسابقة الشبابية إلى المسابقة الرسمية للمحترفين، ومن بينهم أحد الفائزين في الدورة الماضية الذي يشارك هذا العام ضمن المنافسة الرسمية.
نؤمن أن أي مهرجان لا يولي اهتمامًا بالشباب ولا يسعى إلى تطوير ذائقتهم الفنية، لا يمكن اعتباره مهرجانًا حقيقيًا. فالشباب هم امتداد طبيعي لمسيرة الإبداع، وهم من سيواصلون حمل المشعل في المستقبل، خاصة وأن هذه سنة الحياة، حيث يأتي يوم نصبح فيه من الأسماء التي تُذكر، ويأخذ الجيل الجديد مكانه في المشهد الثقافي.
ومن هذا المنطلق، نحرص على دعم الطاقات الشابة وفتح المجال أمامها للتعبير عن رؤاها الفنية. وقد لمسنا ذلك أيضًا في “مسرح المواطن”، الذي يقوم على الأداء الفردي في الفضاء العام، حيث شهد مشاركة واسعة من الشباب الذين قدموا عروضًا مميزة في شارع الحبيب بورقيبة، وسط تفاعل جماهيري لافت.
إن منح الشباب الفرصة للتعبير والإبداع ليس خيارًا، بل ضرورة، لأنهم يمتلكون طاقة وصوتًا يجب الإصغاء إليه، فهم صناع المستقبل وروح التجديد في كل تجربة فنية.
المهرجان لم يقتصر على العروض المسرحية، بل تضمن ندوات وورشات وماستر كلاس، كيف ترون أهمية هذا البعد الفكري والتكويني في تطوير المسرح؟
لا يقتصر دور المهرجان على تقديم العروض المسرحية فقط، بل يُعدّ فضاءً مفتوحًا للقاء والتفاعل بين الفنانين، وفرصة حقيقية لتبادل التجارب وطرح الأفكار الجديدة، إلى جانب تنظيم ورشات تكوينية تثري المسار الإبداعي للمشاركين.
وقد شهدت هذه الدورة تنظيم عدد من الورش المميزة، من بينها ورشة قدمتها الفنانة العراقية المقيمة في لندن زينب الجبوري، إلى جانب ورشة في النقد المسرحي أشرف عليها الدكتور حسام الدين مسعد، والتي لاقت تفاعلًا مهمًا من الحضور. كما تم تقديم إصدار فكري مهم حول المونودراما من قبل الباحث توفيق الجبالي، ما يعكس البعد الأكاديمي للمهرجان.
وفي إطار تكريم التجارب الفنية، تم تنظيم “ماستر كلاس” خاص حول تجربة الفنان الراحل فتحي الهداوي، تقديرًا لمسيرته الغنية، إضافة إلى ورشة تناولت كيفية تحويل العمل المسرحي إلى عمل بصري، سواء في شكل ملصق (أفيش) أو شريط سينمائي، بمشاركة فنانين من بينهم هشام علي.
ويولي المهرجان أهمية كبيرة للجانب التكويني، حيث تتواصل الفعاليات من خلال ورش وعروض تفاعلية، من بينها عرض خاص حول الأداء الفردي في الفضاء العمومي، يُقام مساءً، ويتبعه نقاش مفتوح يهدف إلى تعميق الفهم وبناء رؤية جديدة في التكوين المسرحي.
بهذا الشكل، يرسّخ المهرجان دوره كمنصة شاملة تجمع بين العرض والتكوين، وتسهم في تطوير الممارسة المسرحية وتعزيز الحوار بين مختلف التجارب الفنية.
بعد نجاح هذه الدورة، ما أبرز التحديات التي واجهتكم، وما رؤيتكم المستقبلية لتطوير المهرجان في الدورات القادمة؟
منذ تأسيس المهرجان، كان الطموح دائمًا كبيرًا، وكانت الرؤية واضحة في أن يتحول إلى محطة عالمية تجمع كل المشتغلين على فن المونودراما من مختلف أنحاء العالم. وقد سعينا منذ البداية، بعقلانية وتخطيط، إلى تطوير هذا الحدث ليصبح وجهة دولية للفنانين والمبدعين.
وشهدت التجربة خلال السنوات الماضية تطورًا متدرجًا، تأرجح بين مدّ وجزر تبعًا للإمكانات المتاحة، حيث تراوح عدد الدول المشاركة بين ثلاثين دولة في بعض الدورات، وخمسٍ وعشرين، وأربعٍ وعشرين، وصولًا إلى ست عشرة دولة في دورات أخرى. ورغم هذا التفاوت، ظلّ الهدف ثابتًا وهو الاستمرار في التقدم والتوسع.
ومع المؤشرات الإيجابية الحالية، يبدو أن الدورة المقبلة تحمل آفاقًا واعدة، خاصة مع إعلان تونس عاصمةً للسياحة العربية، وهو ما فتح باب التعاون مع وزارة السياحة التونسية لدعم التكامل بين البعدين السياحي والثقافي، باعتبارهما خيطًا رابطًا يعزز من إشعاع المهرجان.
وفي هذا السياق، نطمح إلى تنظيم دورة استثنائية بمشاركة واسعة قد تصل إلى مئة جنسية، إلى جانب تطوير مسارات المهرجان وبرامجه بشكل أكثر تنوعًا وابتكارًا.
نؤمن بأن أي مهرجان لا يسعى إلى التطور المستمر يفقد مبرر وجوده، لذلك نحرص من دورة إلى أخرى على تقديم الأفضل، ونتطلع بثقة إلى أن تكون الدورة القادمة أكثر تميزًا، بفضل الإرادة والعمل الجاد وروح الإصرار على النجاح.

