المطربة المغربية أمنية من القاهرة: ابتعدت من أجل أمي…واليوم أستعيد صوتي وحلمي (حوار خاص)
حوار هند الصنعاني
بعد سنوات من الغياب عن الساحة الفنية، تستعد الفنانة المغربية أمنية للعودة إلى جمهورها برؤية مختلفة وتجربة أكثر نضجاً، مستندة إلى مسيرة بدأت من البرنامج المغربي «فاصلة»، الذي فتح لها أبواب الشهرة في المغرب، قبل أن تقودها خطواتها إلى القاهرة وتجربة الغناء باللهجة المصرية.
في هذا الحوار، تستعيد أمنية ذكريات البدايات، وتتحدث عن الراحل إبراهيم العلمي ودوره في مسيرتها، وعن تجربتها المصرية، وأزمات الإنتاج وعقود الاحتكار، كما تكشف للمرة الأولى عن الجانب الإنساني وراء سنوات ابتعادها، حين اختارت مرافقة والدتها خلال رحلة مرضها بالسرطان حتى وفاتها، وتتحدث كذلك عن شكل عودتها المرتقبة، وموقفها من تحولات سوق الموسيقى ومنصات التواصل الاجتماعي، ورؤيتها لمكانة الأغنية المغربية عربياً.
لنبدأ من اللحظة التي عرفك فيها الجمهور المغربي؛ ماذا بقي في ذاكرة أمنية اليوم من تجربة برنامج «فاصلة»؟ وهل تشعرين أن البرنامج صنع شهرتك أم كشف فقط عن موهبة كانت تبحث عن فرصة؟
برنامج «فاصلة» لم يصنع الموهبة، لكنه كان نافذة راقية أطلقت هذه الموهبة إلى الجمهور المغربي، وما أحتفظ به في ذاكرتي حتى اليوم هو ذلك الدفء والتواصل اليومي المباشر مع البيوت المغربية، وتلك المحبة الكبيرة التي بدأت في تلك الفترة واستمرت معي حتى اليوم.
كنتِ في «فاصلة» تؤدين مقاطع غنائية إلى جانب الفنان عبد العالي أنور، وكان على المتسابقين التعرف إلى الأغاني؛ كيف أثرت هذه التجربة، بما تتطلبه من إتقان ألوان ولهجات مختلفة، في تكوين شخصيتك الفنية؟
كانت بالنسبة لي بمثابة «مدرسة ميدانية مكثفة»، صقلت أدائي وسرعة الحفظ لدي، ومنحتني مرونة كبيرة في الانتقال بين المقامات والألوان واللهجات المختلفة بثقة وشغف، وأعتقد أن هذه التجربة تركت أثراً واضحاً في شخصيتي الفنية وفي قدرتي لاحقاً على التعامل مع أنماط موسيقية متنوعة.
قبل التلفزيون والشهرة، درستِ الموسيقى والغناء الأوبرالي في المعهد الموسيقي بالدار البيضاء؛ إلى أي حد استفدتِ لاحقاً من هذا التكوين الأكاديمي؟ وهل ترين أن الدراسة الموسيقية أصبحت أقل حضوراً لدى الجيل الجديد من الفنانين؟
الدراسة تمنح الفنان المفاتيح والقواعد الأولى، وهذا أمر مهم بالتأكيد، لكن الشغف والوقوف الحقيقي على المسرح والتفاعل المباشر مع الفن والجمهور هي الأشياء التي تمنحه الخبرة الشاملة، والفن في النهاية تجربة حية تكتمل بالممارسة وليس داخل الصفوف وحدها، الشهادات قد تصنع دارساً جيداً للموسيقى، لكن الميدان والجمهور هما من يصنعان الفنان الحقيقي.
اسم الراحل إبراهيم العلمي حاضر في جزء مهم من بداياتك ومسيرتك؛ كيف بدأت علاقتك به، وما الدور الذي لعبه في تجربتك الفنية، وماذا بقي من تلك المرحلة في ذاكرتك؟
كان الراحل إبراهيم العلمي بمثابة الأب الروحي والمرشد الذي آمن بي في بداياتي، تعلمت منه احترام الفن والالتزام بالكلمة واللحن الصادق، وهناك درس بقي معي ولن أنساه أبداً: «الفن رسالة وأمانة قبل أن يكون شهرة»، هذه القيمة تحديداً رافقتني في اختياراتي، وربما تفسر أيضاً لماذا كنت دائماً شديدة الحرص في ما أقدمه للجمهور.
بعد نجاحك في المغرب اتجهتِ إلى مصر وأصدرتِ ألبوماً مصرياً..لماذا كانت القاهرة تحديداً وجهتك في ذلك الوقت؟ وماذا أضافت لك التجربة المصرية على المستويين الفني والإنساني؟
القاهرة عاصمة الفن العربي، ومظلتها الفنية تتسع للجميع، لذلك كان ذهابي إليها في تلك المرحلة خطوة طبيعية بالنسبة لي في طريق البحث عن انتشار عربي أوسع، والتجربة المصرية أضافت لي الكثير؛ منحتني نضجاً فنياً واحترافياً أكبر، ووفرت لي فرصة التعامل والاحتكاك بكبار المبدعين، وهو ما شكل إضافة مهمة جداً إلى تجربتي الفنية والإنسانية.
سبق أن تحدثتِ عن مشكلات مع شركات الإنتاج وعن فسخ عقود كانت وراء تأخر أعمالك؛ هل كانت أزمة الإنتاج وحدها وراء تعثر مسيرتك، أم كانت هناك أسباب أخرى لم تتحدثي عنها آنذاك؟
عقود الاحتكار وتغيرات سوق الإنتاج كانت تفرض أحياناً قيوداً وتحديات معقدة، لكنها لم تكن العامل الوحيد، كان هناك أيضاً حرصي الشديد ودقتي في اختيار الأعمال، لم أكن أقبل بأن أقدم أي عمل لمجرد التواجد على الساحة، كان يهمني دائماً اختيار الكلمة واللحن اللذين يرتقيان إلى ذائقة الجمهور ويحترمان محبته وثقته، حتى لو كان ثمن ذلك أن أتأخر في إصدار أعمال جديدة.
بعد حضور قوي جعل الجمهور يتوقع لك مسيرة طويلة، ابتعدتِ تدريجياً عن المشهد الفني؛ هل كان الابتعاد قراراً منك أم أن الظروف الشخصية والمهنية فرضته عليك؟
كان قراراً فرضته مجموعة من الظروف الفنية والإنتاجية، لكن كانت هناك أيضاً ظروف شخصية قاهرة مررت بها خلال رحلة مرض والدتي، رحمها الله، بالسرطان، السنوات التي قضيتها إلى جانبها خلال رحلة العلاج، ومرافقتها حتى وفاتها، غيّرت الكثير في داخلي، في تلك المرحلة كان من الطبيعي بالنسبة لي أن أبتعد وأتفرغ تماماً لما رأيته أهم من أي شيء آخر، هناك لحظات في حياة الإنسان تصبح فيها العائلة هي الأولوية المطلقة، وكل شيء آخر يمكن أن ينتظر.
خلال سنوات الغياب، هل فكرتِ في الاعتزال نهائياً؟ وهل مرت عليك لحظة شعرتِ فيها بأن «أمنية الفنانة» أصبحت جزءاً من الماضي؟
لم أفكر يوماً في الاعتزال النهائي، الفن بالنسبة لي هوية وليس مجرد مهنة، ولذلك، ورغم سنوات الغياب، ظلت أمنية الفنانة حاضرة بداخلي طوال الوقت، تنتظر فقط اللحظة والظروف المناسبتين للعودة، قد يغيب الفنان عن الجمهور فترة، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يغيب عن الفن الموجود بداخله.
أنتِ اليوم في القاهرة وتفكرين في العودة إلى الساحة الفنية؛ لماذا اخترتِ مصر مجدداً لتكون نقطة الانطلاق؟ وهل تحمل عودتك إلى القاهرة معنى خاصاً باعتبارها المكان الذي شهد مرحلة مهمة من مسيرتك؟
بالنسبة لي، المسألة ليست مجرد نقل نشاط فني إلى مكان معين، القاهرة كانت وستظل محطة أساسية ومهمة، لكن الخارطة الفنية العربية اليوم أصبحت أكثر انفتاحاً وثراءً، المغرب والخليج والقاهرة كلها أصبحت حاضنات ومنصات مهمة للانطلاق والإنتاج الراقي، لذلك فإن العودة الحقيقية بالنسبة لي هي عودة إلى الإحساس والعطاء الفني المتجدد، في كل ساحة تقدر الفن وتستطيع أن تصل بما أقدمه إلى قلوب الناس.
بعد سنوات من الابتعاد وما رافقها من تحولات في حياتك الشخصية، ومنها تجربة الزواج والانفصال، هل تشعرين أن أمنية التي تعود اليوم مختلفة فنياً وإنسانياً عن أمنية التي عرفها الجمهور في «فاصلة»؟
بالتأكيد أنا مختلفة، تجارب الحياة تمنح الفنان عمقاً حقيقياً لا يمكن اكتسابه بطريقة أخرى، أمنية اليوم أكثر نضجاً وقوة واستقلالية، وكل ما مررت به انعكس على رؤيتي للحياة والفن، وبالتالي سينعكس بصورة مباشرة على اختياراتي وعلى صوتي وما سأقدمه للجمهور في المرحلة المقبلة.
ما شكل العودة التي تحضرين لها؟ هل نحن أمام أغنية منفردة، أم ألبوم، أم مشروع يعيد تقديم أمنية بصورة وصوت موسيقي مختلفين؟ وهل ستكون العودة باللهجة المغربية أم المصرية أم بمزيج من الألوان التي عُرفتِ بها؟
العودة هذه المرة ليست مجرد خطوة عابرة، وإنما تحضير لعودة كاملة ومتكاملة، جمهوري العزيز، الذي طالما غمرني بمحبته وكان ينتظر هذه الخطوة، هو الدافع الأول والأساسي لكل ما أعدّه اليوم، وأسعى لأن تكون هذه العودة على قدر هذا الشوق والتطلع، الألوان المقبلة ستكون مزيجاً متزناً بين الأصالة والروح العصرية، وستجمع الموسيقى بين الدفء المصري والعمق الخليجي والأصالة المغربية، ستتنوع الأعمال بين الشجن والتجدد المبهج، مع تركيز كامل على جودة الكلمة واللحن الذي يلامس الروح ويصل إلى قلوب الناس في كل مكان.
الساحة الفنية تغيرت كثيراً خلال غيابك، وأصبحت المنصات الرقمية و«السوشيال ميديا» قادرة على صناعة أسماء خلال أيام؛ هل ترين أن العودة اليوم أصعب على فنان من جيلك، أم أن هذه الأدوات تمنحك فرصة لم تكن متاحة سابقاً؟
الأدوات الرقمية اليوم تمنح الفنان ميزة رائعة، وهي الوصول المباشر إلى الجمهور من دون وسطاء، وهذه فرصة مهمة جداً لم تكن متاحة بالشكل نفسه في السابق، لكن في الوقت ذاته، الشهرة والأرقام لا تعني بالضرورة الجودة، هناك في الساحة أصوات وقامات فنية عظيمة لم تتح لها حتى الآن الفرصة التي تستحقها، وبالنسبة لي، المنصات مجرد مسرح جديد للتواصل مع الجمهور، والغياب لم يكن استراحة، بل كان فرصة لإعادة ترتيب الأوراق والتحضير لانطلاقة أقوى وأكثر نضجاً؛ لأنني عندما أتواجد، أحب أن يكون حضوري من خلال أعمال لها وزنها وقيمتها وقادرة على فرض نفسها.
كيف تنظرين إلى الأغنية المغربية اليوم مقارنة بالفترة التي بدأتِ فيها؟ وهل تعتقدين أنها استطاعت فعلاً أن تفرض نفسها عربياً، أم أن نجاح بعض الأسماء المغربية لا يعني بالضرورة نجاح الأغنية المغربية نفسها؟
الأغنية المغربية فرضت نفسها بقوة، وأصبحت إيقاعاتها وهويتها حاضرة بصورة واضحة عربياً، وفي رأيي، نجاح الفنانين المغاربة لا ينفصل عن نجاح اللهجة والموسيقى المغربية، لأن الفنان حين يصل إلى الجمهور العربي يحمل معه جزءاً من هويته وثقافته الموسيقية، لدينا اليوم حضور مغربي مهم، وأعتقد أن الأغنية المغربية تمتلك من الخصوصية والثراء ما يؤهلها للوصول إلى مساحات أكبر بكثير.
هناك عدد كبير من الفنانين المغاربة الذين وجدوا انتشارهم العربي بعد التوجه إلى مصر أو الخليج والغناء بلهجات غير مغربية؛ لماذا، في رأيك، لا يزال الفنان المغربي أحياناً مضطراً إلى الخروج من بلده حتى يحصل على فرصة عربية أوسع؟
الأسواق الفنية في مصر والخليج تمتلك صناعة إنتاجية وإعلامية واسعة، وبالتالي فإن التواجد فيها يمنح الفنان فرصاً أكبر للوصول إلى شرائح مختلفة من الجمهور العربي، لكنني لا أرى في ذلك ابتعاداً عن الوطن أو تخلياً عن الهوية، على العكس، يمكن للفنان المغربي الموجود خارج بلده أن يكون بمثابة سفير فني ينقل هويته وثقافته وموسيقاه إلى جمهور عربي أكبر، المهم هو ألا يفقد الفنان هويته أثناء رحلة الانتشار.
إذا كانت عودتك الحالية بمثابة بداية ثانية، فما الذي تريد أمنية أن تستعيده من مسيرتها القديمة، وما الذي تريد أن تقطع معه نهائياً؟ وما الوعد الذي يمكن أن تقدميه للجمهور الذي عرفك وأحب صوتك ثم انتظر عودتك كل هذه السنوات؟
هذه الخطوة ليست مجرد استئناف لنشاط فني، بل أعتبرها بالفعل «البداية الثانية»؛ انطلاقة متجددة برؤية أكثر وضوحاً ونضجاً، أريد أن أستعيد من أمنية القديمة الشغف والصدق واحترام الجمهور، وأن أضيف إليها كل ما منحته لي السنوات والتجارب من نضج وقوة ووعي أكبر باختياراتي، أما وعدي لجمهوري الغالي، الذي انتظرني وطالما كان السند والدافع الأول، فهو أن أكون دائماً عند حسن ظنه، وأن أقدم له أعمالاً راقية تحترم ذائقته وتعيش في ذاكرته، العودة ستكون كاملة ومتنوعة بإذن الله، ومحمّلة بكل ما هو جميل وصادق.

