أمهات في مواجهة الصمت… الفنانة المغربية نبيلة حرفان: أصعب شيء لم يكن التشخيص وإنما الخوف من المجهول ونظرة المجتمع
في حياة بعض الأمهات، لا يأتي اختبار الأمومة على هيئة لحظات فرح فقط، بل قد يتحول إلى رحلة طويلة من التحديات، والقلق، وإعادة اكتشاف الذات، رحلة لا تقاس بطول الطريق، وإنما بقدرة الأم على الاستمرار، والاحتواء، والبحث عن كل فرصة تمنح أبناءها حياة أكثر أمانًا واستقرارًا.
من هنا تأتي تجربة الفنانة المغربية نبيلة حرفان، التي وجدت نفسها أمام واقع جديد بعد اكتشاف إصابة ابنها نيار وابنتها نيفين باضطراب طيف التوحد، لتبدأ مرحلة مختلفة من حياتها، امتزجت فيها مشاعر الأمومة العميقة بالمسؤولية والقلق، لكنها لم تسمح للتشخيص بأن يكون نهاية الطريق.
بعد استقرارها في سويسرا برفقة زوجها المخرج المغربي السويسري هشام عين الحياة، وجدت نبيلة نفسها أمام تحديات يومية تتطلب الكثير من الصبر والوعي، فاختارت أن تجعل من تجربتها الشخصية مساحة للحديث والتوعية، وأن تفتح عبر منصاتها، وخاصة «تيك توك»، نافذة صادقة على تفاصيل حياتها كأم لطفلين من ذوي التوحد.
بشفافية لافتة، لا تتحدث نبيلة عن النجاحات وحدها، بل تشارك أيضًا لحظات التعب والانهيار، والصعوبات السلوكية والحسية، وتفاصيل رحلة التعليم والرعاية التي يخوضها كل من نيار ونيفين وفق احتياجاته وقدراته، وبين الألم والأمل، تحاول أن تنقل رسالة مفادها أن التوحد لا يلغي حق الطفل في التعليم، والحب، والاحتواء، والنمو، ولا يلغي حق الأسرة في أن تعيش تجربتها بعيدًا عن الخجل والصمت.
في هذا الحوار، تروي نبيلة حرفان جانبًا إنسانيًا عميقًا من تجربتها، وتتحدث بصراحة عن وقع التشخيص عليها، وعن اللحظة التي اكتشفت فيها إصابة ابنتها أيضًا، وكيف واجهت مشاعر الحزن والقلق، وما الذي منحها القدرة على مواصلة الطريق، كما تتوقف عند تجربتها مع التعليم والرعاية في سويسرا، ودور الأسرة، ونظرة المجتمع، وأهمية الدعم النفسي والتربوي للأم والطفل.
حاورتها الكاتبة هند الصنعاني من موقع «أنباء عربية»، في حديث يضع الأم في قلب الحكاية، ويقترب من تفاصيل رحلة لا تخلو من الألم، لكنها تحمل في كل محطة رسالة أمل، أن وراء كل تشخيص طفلًا يحتاج إلى أن نراه أولًا بإنسانيته، وأن وراء كل أم حكاية تستحق أن تُسمع.

كيف كانت لحظة تشخيص ابنك الثاني، وما المشاعر التي عشتها في تلك الفترة؟
لحظة التشخيص كانت من أصعب اللحظات التي مررت بها، عندما تسمعين كلمة «توحد» لأول مرة، لا تكون لديكِ كل المعلومات التي لديك اليوم، ويبدأ ذهنك مباشرة في طرح عشرات الأسئلة، ماذا سيحدث؟ كيف سيكون مستقبله؟ هل سيتمكن من الدراسة؟ هل سيتكلم؟ هل سيتمكن من الاعتماد على نفسه؟
في البداية كان هناك خوف وارتباك وحزن، وهذا طبيعي جدًا بالنسبة لأي أم.،لكن مع الوقت بدأت أفهم أنني لا أحتاج إلى الحزن على طفل موجود أمامي، وإنما أحتاج أن أفهمه وأتعلم كيف أسانده.
عندما جاء تشخيص ابنتك الصغرى، هل كان وقع الخبر مختلفًا هذه المرة؟
عندما جاء تشخيص ابنتي، كان الأمر مختلفًا لأنني كنت قد عشت التجربة من قبل، كنت أعرف معنى التشخيص، وأعرف أن أمامنا طريقًا طويلًا، ولذلك كان وقع الخبر مؤلمًا، لكنني لم أكن بنفس حالة الصدمة الأولى، كنت أعرف أن ابنتي تحتاجني أكثر من حاجتها إلى أم خائفة، احتاجت مني أن أكون هادئة، وأن أفهمها، وأن أبحث لها عن كل ما يمكن أن يساعدها.
كيف تحافظين على التوازن داخل أسرة تضم ثلاثة أطفال، اثنان منهما لديهما طيف التوحد؟
وجود ثلاثة أطفال مختلفين عن بعضهم علمني شيئًا مهمًا جدًا،العدل داخل الأسرة لا يعني أن نعطي كل طفل الشيء نفسه، وإنما أن نعطي كل طفل ما يحتاجه، ابني الأكبر له احتياجاته ومشاعره وخصوصيته، وطفلاي الآخران لهما احتياجات مختلفة، لذلك أحاول دائمًا أن أحافظ على التوازن، وألا أجعل التوحد يلغي وجود باقي أفراد الأسرة.
كيف تغيرت حياتك منذ أصبحتِ أمًا لطفلين ضمن طيف التوحد؟
تغيرت حياتي بشكل كبير، تغير وقتي، أولوياتي، وطريقة تفكيري في المستقبل. حتى عملي الفني تأثر، لأن الأمومة في هذه الحالة تحتاج حضورًا ووقتًا ومتابعة مستمرة، لكنني لم أسمح لنفسي بأن أختفي كإنسانة أو كفنانة، بقي الفن جزءًا مني، وأصبحت أيضًا أستخدم منصتي للتوعية، لأنني شعرت أن تجربتي يمكن أن تكون مفيدة لأمهات أخريات، ورجوعي لمجالي الفني سيكون إن شاء الله قريبًا بفيلم عن التوحد.
ما أصعب شيء واجهته في بداية هذه الرحلة؟
ربما أصعب شيء لم يكن التشخيص نفسه، وإنما الخوف من المجهول ونظرة المجتمع، أحيانًا الأم لا تخاف فقط على طفلها، وإنما تخاف من الطريقة التي سينظر بها الآخرون إليه، هل سيتقبلونه؟ هل سيعطونه فرصته؟ هل سيحترمونه؟ ومع الوقت فهمت أن عليّ أن أركز على ما أستطيع فعله لأطفالي بدل أن أعيش أسيرة لما قد يقوله الآخرون.
كيف بدأتِ رحلة التعايش مع التوحد وفهم احتياجات طفليك؟
بدأت بالمعرفة. تعلمت أن أراقب أطفالي، وأن أفهم طرق التواصل الخاصة بهم، وأن أتعرف على نقاط قوتهم واحتياجاتهم، وساعدني أيضًا وجود متخصصين وأشخاص قدموا لنا الدعم، إلى جانب العائلة، والأهم أنني توقفت عن مقارنة أطفالي بأطفال آخرين، كل طفل له مساره الخاص.
كيف أثرت هذه التجربة على الأسرة والعلاقة بين أفرادها؟
هذه التجربة تضع الأسرة أمام مسؤولية كبيرة، وأحيانًا تكون هناك ضغوط وتعب وسوء فهم، لأن الحياة اليومية ليست سهلة، لكنني أؤمن أن الأسرة تحتاج إلى التواصل والتعاون، لأن الطفل يحتاج إلى بيئة مستقرة وآمنة، وليس إلى أم أو أب يحمل كل شيء بمفرده.
ما أهمية دور الزوج في رحلة الأسرة مع التوحد؟
وجود الزوج ومشاركته الفعلية مهم جدًا، ليس فقط في أخذ الطفل إلى موعد أو القيام بمهمة معينة، وإنما أيضًا في أن تشعر الأم أنها ليست وحدها، الأم تحتاج أحيانًا إلى شخص يقول لها: «أنا معك، ولن تتحملي كل هذا وحدك.»
هل تعتقدين أن العبء يقع غالبًا على الأم؟ وكيف هي تجربتك الشخصية مع زوجك؟
في كثير من الأسر نعم، تتحمل الأم جزءًا كبيرًا من الرعاية اليومية والمتابعة والمواعيد والتعليم والتأهيل، وأحيانًا تتوقف عن العمل أو تقلل من حياتها الاجتماعية، لكن في حالتي أنا، دور زوجي مهم جدًا في هذه الرحلة، بدعمه الدائم لي وتحمله المسؤولية الأكبر، لذلك أعتقد أن دعم الأم ليس رفاهية، عندما ندعم الأم، نحن في الحقيقة ندعم الطفل والأسرة كلها.
كيف تنظرين إلى تجربة التعليم بالنسبة للأطفال ضمن طيف التوحد؟
التعليم من أكبر الملفات التي تحتاج إلى اهتمام، الطفل الذي يعاني من طيف التوحد لا يحتاج فقط إلى مكان يجلس فيه داخل الفصل، وإنما يحتاج إلى بيئة تفهم احتياجاته وطريقة تعلمه وتواصله.
هل واجهتِ مشاكل مع المدارس في التعامل مع طفليك؟
أحيانًا المشكلة ليست في الطفل، وإنما في عدم معرفة المحيط بكيفية التعامل معه، أما في حالتي أنا، بحكم وجودنا في دولة مثل سويسرا، فليس لدينا هذا المشكل والحمد لله، كنت دائمًا أشرح وأتواصل وأحاول أن أجد حلولًا، لأنني لا أريد أن ينظر إلى طفلي باعتباره «المشكلة»، أريد أن يسأل المحيط ماذا يحتاج هذا الطفل حتى ينجح؟
كيف كانت نظرة العائلة والمجتمع إلى طفليك وتجربتك كأم؟
كانت هناك مواقف جميلة جدًا، وكانت هناك أيضًا مواقف مؤلمة، بعض الناس يفهمون، والبعض الآخر يحكم بسرعة لأنه لا يعرف شيئًا عن التوحد، وأحيانًا تكون نظرة أو كلمة واحدة كافية لكي تشعر الأم بأنها مطالبة بالدفاع عن طفلها طوال الوقت.
هل هناك موقف معين لا تنسينه وأثر فيكِ كثيرًا؟
هناك مواقف كثيرة، لكن أكثر ما يؤلمني هو عندما يُنظر إلى الطفل من خلال سلوكه فقط، دون محاولة فهم السبب وراء هذا السلوك، وهنا يأتي دور التوعية بهذا الاضطراب، وهذا ما جعلنا أنا وزوجي نلجأ إلى التوعية ونشتغل اليوم على تقاطع الفن والإعلام والتواصل الرقمي، من خلال حضورنا في البرامج ومنصات التواصل الاجتماعي، بهدف إيصال رسائل توعوية وإنسانية، الطفل قد لا يستطيع التعبير بالكلمات، وقد يعبر بطريقة مختلفة، وهذا لا يعني أنه لا يفهم أو لا يشعر.
هل مررتِ بفترات شعرتِ فيها أنكِ وحدك في هذه الرحلة؟
نعم، كانت هناك مراحل شعرت فيها أن المسؤولية أكبر مني، ولكن سرعان ما أتدارك الأمر وأقول، هذا مجرد إحساس يجب السيطرة عليه، وخصوصًا أنني أرى الدور الذي سيقوم به هشام، يعني كل واحد منا يكمل الآخر، ويد واحدة لا تصفق.
هل كانت هناك لحظات انهيار أو شعور بالعجز؟
طبعًا كانت هناك لحظات بكيت فيها وشعرت بالتعب والعجز، أنا أم وإنسانة، ولست آلة، لكنني تعلمت ألا أخجل من التعب، أحيانًا أحتاج إلى أن أتوقف، أتنفس، أبكي، ثم أعود، القوة ليست ألا تنهاري، القوة هي أن تعرفي كيف تعودين بعد الانهيار.
لماذا اخترتِ تقديم محتوى عن التوحد عبر TikTok ومنصات التواصل الاجتماعي؟
في البداية كان الأمر تعبيرًا عن تجربتي، لكن مع الوقت أصبح بالنسبة لي مسؤولية أيضًا، أردت أن أُظهر الحياة الحقيقية مع طفل لديه طيف التوحد ، وليس فقط الصور المثالية أو الحزينة، أردت أن أقول للناس، هؤلاء أطفال يعيشون معنا، يضحكون، يغضبون، يحبون، يتعلمون، ويتطورون، ويستحقون الاحترام والفرص.
هل تشعرين أن أم الطفل ضمن طيف التوحد مهمشة أحيانًا؟
نعم، أحيانًا تشعر أم الطفل بالتهميش، لأن التركيز غالبًا يكون على الطفل واحتياجاته، بينما الأم أيضًا تحتاج إلى الدعم والتقدير، فهي تتحمل مسؤولية يومية كبيرة.
من وجهة نظرك، هل يجب أن تشمل الرعاية والدعم الأسرة بأكملها، وليس الطفل فقط؟
بالتأكيد، الأسرة جزء أساسي من رعاية الطفل، واحتياجات الأم والأسرة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، وليس فقط توفير الخدمات للطفل.
كيف تصفين تجربتك في سويسرا من حيث الخدمات والرعاية المقدمة لأطفال التوحد؟
تجربتي في سويسرا كانت إيجابية من حيث التنظيم وتوفر بعض الخدمات والمتابعة، وجدت دعمًا من المختصين، لكن تبقى هناك تحديات واختلافات حسب احتياجات كل طفل.
ماذا عن الدعم المادي والاجتماعي الذي تحصل عليه الأسر في سويسرا؟
نعم، هناك مساعدات ودعم مرتبطان باحتياجات الطفل، لكن الإجراءات قد تكون معقدة، كما أن بعض التكاليف والخدمات تبقى مرهقة على الأسرة.
هل تجدين أن الدعم النفسي والاجتماعي المقدم للأسر كافٍ؟
الدعم النفسي والاجتماعي مهم جدًا، ليس فقط للطفل وإنما للأم والأب أيضًا.، وأعتقد أن الأسر تحتاج إلى مساحات للاستماع والمساندة والتبادل فيما بينها.
هل تعتقدين أن تجربة سويسرا يمكن أن تقدم دروسًا تستفيد منها الدول العربية؟
أعتقد أن تجربة سويسرا يمكن أن تكون مفيدة للدول العربية، خصوصًا في التنظيم، والتدخل المبكر، والعمل مع الأسرة كجزء أساسي من رحلة الطفل.
23. ما الشيء الذي تتمنين أن يفهمه المجتمع عن أطفال طيف التوحد؟
أتمنى أن يفهم المجتمع أن الطفل المصاب بالتوحد ليس أقل قيمة، وأن الاختلاف في طريقة التواصل أو السلوك لا يعني غياب المشاعر أو القدرات.
ماذا تقولين للناس عن الأمهات اللواتي يرافقن أطفالًا ضمن الطيف؟
أتمنى أن يتوقف الناس عن الحكم على الأمهات أو لومهن، وأن يمنحوهن الدعم والاحترام بدل الانتقاد.
هل ترين أن الفن والإعلام قادران على تغيير الصورة النمطية عن التوحد، بدلًا من تقديم الطفل باعتباره حالة مرضية فقط؟
طبعًا، وأنا أؤمن أن الفن والإعلام عندهما دور كبير في تغيير نظرة المجتمع للتوحد، طفل طيف التوحد ليس مجرد تشخيص أو حالة طبية، هو إنسان لديه شخصية، وأحاسيس، ومواهب، وأحلام، وعنده الحق في أن يعيش طفولته بكل تفاصيلها، أتمنى أن نرى أعمالًا فنية وإعلامية تقدم أطفالنا بطريقة طبيعية، فيها الحب والضحك والنجاح وحتى التحديات اليومية، بعيدًا عن الشفقة والصور النمطية، لأننا لا نحتاج أن يشفق الناس على أطفالنا، نحتاج أن يفهموهم ويتقبلوهم ويمنحوهم الفرصة ليُظهروا من هم فعلًا.
عندما تفكرين في مستقبل طفليك، هل ترينه واضحًا أم ما زال ضبابيًا؟ وما أكثر ما يثير خوفك؟
مثل أي أم، أحلم بأن أرى أولادي سعداء، ومستقلين قدر استطاعتهم، ويعيشون حياتهم بكرامة وحب وأمان، بالتأكيد المستقبل فيه بعض الغموض، لكنني لا أترك الخوف يسرق مني فرحة الحاضر، تعلمت أن أعيش معهم يومًا بيوم، وأن أفرح بكل خطوة يحققونها، مهما كانت صغيرة، أكثر ما يخيفني هو هل سيجدون نفس الحب والتفهم والحماية التي يجدونها اليوم وسط العائلة، خصوصًا عندما يكبرون، لكن لدي أمل كبير فيهم، وفي التطور الذي أراه كل يوم، وفي أن يصبح المجتمع أكثر وعيًا وتقبلًا للاختلاف.
وفي المقابل، ما الشيء الذي يمنحك الأمل ويجعلك تنظرين إلى المستقبل بتفاؤل؟
أجد أملي في أولادي، في ابتسامة منهم، في كلمة جديدة، في نظرة، في حضن، أو في شيء بسيط استطاعوا القيام به اليوم ولم يكونوا قادرين على القيام به بالأمس، كل تقدم صغير بالنسبة لي هو فرحة كبيرة، ويمنحني القوة لكي أستمر، وأرى كذلك الأمل في الناس الذين بدأوا يفهمون التوحد أكثر، وفي الأمهات والآباء الذين يتقاسمون تجاربهم، وفي المختصين الذين يعملون بحب وصبر مع أطفالنا، أنا مؤمنة بأن المستقبل لا يجب أن يكون نسخة من الأحلام التي رسمناها من قبل، قد يكون مختلفًا، لكنه يمكن أن يكون جميلًا ومليئًا بالحب والنجاحات بطريقته الخاصة.
هل تغيرت نظرتك إلى معنى النجاح والانتصار بعد تجربة الأمومة مع طفليك؟
بالتأكيد، تجربة الأمومة مع أولادي علمتني أن النجاح ليس له تعريف واحد، وأن لكل طفل طريقه وإيقاعه، في السابق، ربما كنت أربط النجاح بأشياء كبيرة وواضحة، ولكن اليوم تعلمت أن النجاح يمكن أن يكون في كلمة جديدة، أو في تواصل بالعين، أو في محاولة للتعبير عن إحساس، أو حتى في أن يجرب طفلي شيئًا كان يخاف منه، هذه اللحظات بالنسبة لي انتصارات حقيقية، وأفرح بها من قلبي، وهذا لا يقلل من قيمة نجاحاتي الشخصية أو المهنية، بل على العكس، أولادي علموني أن أعطي قيمة أكبر لكل إنجاز، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا.
إذا أتيحت لك فرصة توجيه رسالة مباشرة إلى الدولة والمسؤولين في الدول العربية، فما أهم المطالب التي تتمنين تحقيقها للأشخاص ضمن طيف التوحد وأسرهم؟
رسالتي هي أن أطفال طيف التوحد وأسرهم يحتاجون إلى مواكبة حقيقية ومستمرة، ليس فقط في مرحلة التشخيص، ولكن في جميع مراحل الحياة، أتمنى أن يكون التشخيص المبكر والتأهيل والعلاج والتعليم المتخصص في متناول جميع الأسر، مهما كانت إمكانياتها المادية أو المدينة التي تسكن فيها، وأتمنى كذلك أن يكون هناك اهتمام أكبر بإدماج الأشخاص ضمن طيف التوحد في المجتمع، وفي الدراسة والتكوين والعمل، كل واحد حسب قدراته واحتياجاته، لأن أطفالنا لديهم الحق في الفرص، وفي الكرامة، وفي مستقبل يليق بهم.
هل تعتقدين أن الدولة يجب أن توفر مراكز متخصصة للدعم النفسي للأمهات، إلى جانب مراكز التأهيل والعلاج للأطفال؟
طبعًا، لأن الأم أيضًا تحتاج إلى من يسمع لها ويفهمها ويساندها، الأم تعيش مع طفلها لحظات جميلة جدًا، ولكن هناك كذلك أيام صعبة، فيها التعب والقلق والضغط النفسي، وأحيانًا تنسى نفسها وسط المسؤوليات اليومية، وجود مراكز للدعم النفسي والمواكبة الأسرية سيساعد الأمهات والآباء على الحفاظ على توازنهم النفسي، وتبادل التجارب، والتعامل مع التحديات بطريقة أفضل، بالنسبة لي، الاهتمام بالأم والأب هو كذلك اهتمام بالطفل، لأن الأسرة التي تجد الدعم تكون لديها طاقة أكبر لكي تمنح الحب والرعاية لأطفالها.
وهل ترين ضرورة توفير امتيازات أو مساعدات خاصة للأمهات اللواتي يرافقن أطفال طيف التوحد؟
بالتأكيد، وأعتقد أن هذا الموضوع يحتاج إلى اهتمام كبير.هناك أمهات يضطررن إلى التوقف عن العمل أو تقليل ساعات العمل لكي يرافقن أطفالهن في العلاج والتأهيل والمواعيد الطبية، وهذا يمكن أن يؤثر على استقلالهن المادي، وعلى حياتهن الشخصية والاجتماعية، أتمنى أن تكون هناك مساعدات مناسبة، ومرونة في أوقات العمل، وخدمات تسمح للأم بأن ترتاح قليلًا وأن تجد الوقت لنفسها أيضًا، لأن الأم لديها الحق في أن تكون أمًا، ولكن لديها الحق كذلك في أن تحقق أحلامها، وتعمل، وترتاح وتعيش حياتها، ومن المهم جدًا ألا ننسى أن المسؤولية مشتركة بين الأب والأم، وأن الدعم يجب أن يشمل الأسرة كاملة.
لو كان بإمكانك تغيير شيء واحد فقط في طريقة تعامل المجتمع والدولة مع أطفال طيف التوحد وأسرهم، ماذا ستغيرين؟
سأختار أن أغير النظرة إلى التوحد، أريد أن يرى الناس الطفل قبل أن يروا التشخيص، وأن يتعاملوا معه بإنسانية واحترام، بلا أحكام مسبقة وبلا شفقة، وأريد أن تكون هذه النظرة حاضرة حتى في المدارس، والمستشفيات، والإدارات، والأماكن العمومية، لأننا عندما نغير فهمنا للاختلاف، تصبح لدينا الرغبة الحقيقية في توفير الظروف المناسبة لكل طفل، وجعله يشعر بأنه مرحب به وأن له مكانًا وسط المجتمع، بالنسبة لي، التقبل الحقيقي ليس مجرد كلام جميل، بل هو سلوك يومي وفرص حقيقية نقدمها لأطفالنا.
بعد كل ما عشته من ألم وتعب وخوف، وفي المقابل من انتصارات ولحظات فرح، ماذا علمتك تجربة الأمومة مع طفليك؟ وماذا تقولين اليوم لكل أم تلقت للتو خبر تشخيص طفلها ضمن طيف التوحد وتشعر أن حياتها انتهت؟
الأمومة مع أولادي علمتني الكثير من الأشياء. علمتني الصبر، وعلمتني أن أستمع حتى إلى الكلام الذي لا يُقال، وأن أفهم أن الحب لا يحتاج دائمًا إلى الكلمات لكي نشعر به، علمتني كذلك أن الحياة لا تكون دائمًا كما خططنا لها، ولكن هذا لا يعني أنها لا يمكن أن تكون جميلة، ولكل أم وصلها اليوم خبر تشخيص طفلها، أريد أن أقول لها: خذي وقتك لكي تستوعبي الخبر، ومن حقك أن تخافي وتبكي وتسألي ألف سؤال، ولكن لا تجعلي التشخيص يحجب عنك الطفل الجميل الذي أمامك، فطفلك لم يتغير يوم عرفتِ تشخيصه، هو نفس الطفل الذي كنت تحبينه بالأمس، بنفس الابتسامة ونفس الحاجة إلى الحب والأمان، لا تقارني طفلك بأطفال الآخرين، ولا تقارني حتى تجربتك بتجارب الأمهات الأخريات. كل طفل له طريقه، وكل أسرة لديها ظروفها، اطلبي المساعدة، وتعلمي، وافرحي بكل خطوة، ولا تنسي نفسك وسط هذه الرحلة، وأهم شيء أريد أن أقوله لك أن حياتك لم تنتهِ، وحياة طفلك لم تنتهِ. بالعكس، ربما تبدأ أمامك حياة مختلفة، مليئة بتحدياتها، ولكن أيضًا بلحظات فرح وانتصارات لم تكوني تتوقعينها، وربما، بعد سنوات، ستنظرين إلى الوراء وتقولين الحمد لله أنني لم أستسلم.

