عبد الهادي مزراري: 40 يوما من الحرب مقابل 21 ساعة من التفاوض بلا نتيجة
بمجرد إعلان انتهاء 21 ساعة من المفاوضات، التي استضفتها إسلام آباد (باكستان) بين واشنطن وطهران بعد 40 يوما من الحرب بين القوات الأمريكية والإسرائيلية من جهة والقوات الإيرانية من جهة ثاتية، عاد السؤال المقلق يطرح نفسه من جديد وبقوة، “أين سيتوقف قطار الحرب هاته الخارجة عن السيطرة؟”.
انشغل الرأي العام الدولي بمسار المفاوضات، كما انشغل كرها بالآثار الثقيلة للحرب منذ يومها الأول، وبينما يجري التطلع لما سبحدث في القادم من الأيام، يبدو من الضروري اولا معرفة أسباب فشل العملية الدبلوماسية التي رعتها باكستان.
مفاوضات بسقف مرتفع
ضم الوفد الإيراني، رئيس البرلمان قليباف، ووزير الخارجية عراقجي، ورئيس مجلس الدفاع أحمديان. ومحافظ البنك المركزي همماتي، ونائبي وزير الخارجية باقائي وغريب آبادي.
من الوهلة الأولى عكست تشكيلة الوفد الإيراني، رغبة طهران في الظهور بمستوى قوي يجعل الطرف الأمريكي يدرك أن الدولة الإيرانية ماثلة أمامه بكل إداراتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، وهي رسالة مشفرة في الوقت ذاته لإشعار الطرف المفاوض بفشل الخيار العسكري في إسقاط النظام الإيراني.
كما حملت التشكيلة الإيرانية رسالة بمطالب عسكرية واقتصادية وسياسية بسقف مرتفع، يضمن الحق في النشاط النووي، والحق في التعويضات عن الحرب، ورفع العقوبات، والالتزام بعدم مهاجمة إيران في المستقبل.
وأضافت طهران إلى هذه المطالب، هوامش مستجدات ميدانية تتعلق بوقف الحرب في كل الجبهات بما فيها الحرب الإسرائيلية على لبنان (وهو ما ترفضه إسرائيل)، وتمكين إيران من السيطرة القانونية على مضيق هرمز (وهو ما ترفضه أمريكا).
في تقييم أولي لهذه المطالب، يعتبرها الجانب الأمريكي غير مقبولة، لأنها مطالب تتعلق بطرف منتصر في الحرب، بينما إيران ليست كذلك، فهي في نظر واشنطن منهزمة ولا يحق لها أن تملي أي شروط.
من جهته، ضم الوفد الأمريكي في مقدمته نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، الذي شارك في المفاوضات بناء على طلب إيراني، وكان مرفوقا بالمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي.
مزجت تشكيلة الوفد الأمريكي بين الاستمرارية في النهج التخاطبي التصعيدي مع إيران، من جهة (يمثلها حضور ويتكوف وكوشنر)، والخروج من الحلقة المفرغة (تجسدها مشاركة جيه دي فانس) من جهة ثانية.
وحملت التشكيلة الأمريكية رسالة الطرف المنتصر في الحرب، بالتمسك بالمطالب نفسها التي تم إعلانها قبل بداية الحرب، وهي: تسليم اليورانيوم المخصب (440 كلغ عالي التخصيب أكثر من 60 في المائة)، وتفكيك البرنامج الصاروخي، وإلزام إيران بالتطبيع السياسي مع دول المنطقة، وأضيف لهذه المطالب رفع إيران يدها عن مضيق هرمز.
مفاوضات بخلفيات غير معلنة
بعد 21 ساعة من التفاوض في أجواء طبعها عدم الثقة، ظل الجانب الإيراني يردد عبر تصريحات مسؤوليه أنه يفاوض بيد ويده الأخرى على الزناد. واستمر في مراقبة التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة، معتبرا وقف العمليات العسكرية بشكل مفاجئ من جانب أمريكا قد يكون خدعة لالتقاط الأنفاس ونقل عتاد حربي جديد للمنطقة.
من جانبه، أصر الطرف الأمريكي على القول إن إيران هي من طلبت وقف إطلاق النار عبر الوسيط الباكستاني، وأرادت التفاوض، تجنبا لآخر تهديد كان أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمحو إيران وإبادتها من الوجود.
في ظل الريبة والحذر من كلا الجانبين، بدت 21 ساعة من المفاوضات مثل الاستراحة التي يحصل عليها ملاكمين في الحلبة بعد انقضاء جولة وبداية أخرى.
إسرائيل الغائب الحاضر في المفاوضات
من جهة أخرى، ألقى الثأثير الإسرائيلي على مسار المفاوضات بين الجانبين الأمريكي والإيراني بظلاله الثقيلة، وكاد يفشلها قبل انطلاقها. حيث طالبت تل أبيب بفصل جبهة الحرب في لبنان عن جدول الأعمال في إسلام آباد.
من جانبها، رفضت طهران الطلب الإسرائيلي، وهددت بوقف التفاوض. وبعد مكالمة هاتفية ساخنة بين ترامب ونتنياهو عادت الأمور إلى مسارها، وتم تجاوز هذه العقدة. لكن التدخل الفني الإسرائيلي في الملفات الأخرى، ظل قائما من خلال برمجة الوفد الأمريكي على دفع إيران لقبول الاستسلام بخصوص الملف النووي، هذا مع التسليم بأن الضربات العسكرية حققت نتائجها ودمرت المتشآت النووية والقدرات الصاروخية الإيرانية.
ترامب يعلن بدء الجولة الثانية من الحرب
بعد إعلان فشل المفاوضات في إسلام آباد، لم ينتظر الرئيس الأمريكي طويلا ليعلن خطته الموالية: “فرض حصار على هرمز، وتدمير القدرات النفطية الإيرانية، وإذا قدمت الصين دعما عسكريا لإيران ستفرض عليها الولايات المتحدة رسوما بنسبة 500 في المائة”.
لم تتأخر طهران في الرد على تصريح ترامب، وأعلنت استعدادها لأي عمل عسكري للدفاع عما تعتبره حقوقها الجفرافية في مضيق هرمز.
يبدو أن الرئيس ترامب يخطط لمسار جديد من المواجهة مع طهران، يركز فيه على مضيق هرمز كهدف عسكري تاكتيكي في طريق إنهاك إيران وإضعافها.
ويدرك الرئيس ترامب أن أول المتضررين بعد إيران من فرض الحصار على مضيق هرمز هي الصين. ولهذا يضع العصا أمام الغنم، ويقوم بترسيم حدود للدور الصيني في هذه الحرب ويهددها بالعقوبات الجمروكية. لكن خطة ترامب تنطوي على خطورة أكبر قد تفتح الباب لأطراف جديدة لدخول الحرب.
فضلا عن ذلك ستؤدي الحرب حول مضيق هرمز إلى الإضرار بدول أخرى في مقدمتها دول الخليج وأطراف أخرى في أوروبا وآسيا تعتمد على صادرات النفط والغاز من المنطقة. وهو ما ينذر بتصاعد الأزمة وتعقيداتها على أصعدة أكبر إقليميا وعالميا.
