وساطة مغربية تنهي احتجاز ضابط استخبارات فرنسي في مالي بعد عام من الاعتقال
كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن المغرب لعب دوراً في المفاوضات التي أفضت إلى الإفراج عن ضابط في المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسية «DGSE»، ظل معتقلاً في مالي لمدة عام، قبل أن يستفيد، اليوم الخميس، من عفو أصدره رئيس المجلس العسكري الحاكم في باماكو، الجنرال عاصيمي غويتا.
ويتعلق الأمر بالفرنسي يان فيزيلييه (Yann Vézilier)، البالغ من العمر 45 عاماً، والذي كان يعمل رسمياً بصفة سكرتير ثانٍ في السفارة الفرنسية بباماكو، لكنه كان في الوقت نفسه ضابطاً في جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسية، وهي الصفة التي كانت السلطات المالية على علم بها، وفق ما أوردته «لوموند».
وكان فيزيلييه قد اعتُقل في باماكو يوم 14 غشت 2025 من طرف أجهزة الاستخبارات المالية، واتهمته السلطات بالمشاركة في «محاولة لزعزعة الاستقرار» تستهدف النظام العسكري الحاكم، إلى جانب نحو عشرة عسكريين وضباط ماليين كبار اعتُقلوا بدورهم.
كما نُسب إليه، وفق مصدر رسمي فرنسي تحدث إلى «لوموند»، التعاون مع «جبهة تحرير أزواد»، التي تقود تمرداً ذا غالبية طوارقية في شمال مالي. ومنذ بداية القضية، نفت باريس الاتهامات الموجهة إلى ضابطها، ووصفتها بأنها «بلا أساس»، وطالبت بالإفراج عنه.
وفي 5 يونيو الماضي، أصدرت محكمة مالية حكماً بالسجن لمدة عشرين عاماً في حق الضابط الفرنسي، بتهمة «المساس بأمن الدولة»، وذلك خلال محاكمة مغلقة في باماكو. واعتبرت مصادر فرنسية في حينه أن الحكم قد يشكل خطوة تمهد الطريق أمام تسوية سياسية للملف، وهو ما تحقق بعد نحو شهرين، عندما أصدر الجنرال عاصيمي غويتا عفواً رئاسياً عنه.
وأكدت الحكومة المالية أن العفو لا يلغي الحكم القضائي ولا الوقائع التي أقرتها المحكمة، مشيرة إلى أنه مقرون بإبعاد المعني بالأمر فوراً عن الأراضي المالية.
المغرب يدخل على خط المفاوضات
وتبرز أهمية الدور المغربي في بيان الحكومة المالية نفسها، التي وجهت الشكر إلى ما وصفته بـ**«بلد شقيق»**، مؤكدة أن «مساعيه الحميدة» ساهمت في التوصل إلى العفو.
ورغم أن باماكو لم تسمِّ هذا البلد في بلاغها، فإن صحيفة «لوموند» نقلت عن مصدر عسكري مالي أن المقصود هو المغرب، وأن الرباط شاركت في المفاوضات التي أفضت إلى إطلاق سراح ضابط «DGSE».
وبحسب الصحيفة الفرنسية، ساعد على نجاح الوساطة احتفاظ المغرب بعلاقات جيدة مع كل من فرنسا ومالي، رغم التدهور الكبير الذي شهدته العلاقات بين باريس وباماكو منذ وصول العسكريين إلى السلطة سنة 2020، واتجاه مالي لاحقاً إلى تعزيز شراكتها مع روسيا.
ونقلت «لوموند» عن مسؤول فرنسي كان يتحدث في يونيو الماضي أن المغرب يُعد من الدول القليلة القادرة على التأثير لدى السلطة العسكرية المالية.
سابقة مغربية في منطقة الساحل
ولا تعد هذه أول وساطة مغربية من نوعها لفائدة عناصر من الاستخبارات الفرنسية في منطقة الساحل. فقد سبق للمغرب أن ساهم في الإفراج عن أربعة عناصر من «DGSE» كانوا محتجزين في بوركينا فاسو لأكثر من سنة، بعدما اعتُقلوا في واغادوغو في دجنبر 2023، قبل أن تنتهي القضية بالإفراج عنهم عقب وساطة مغربية.
وأشارت «لوموند» إلى هذه السابقة باعتبارها عاملاً عزز الثقة في قدرة الرباط على التواصل مع الأنظمة العسكرية في المنطقة، وخصوصاً في ظل التحولات السياسية والأمنية التي تشهدها دول الساحل.
مساعٍ أخرى لم تنجح في البداية
ولم يكن المغرب الطرف الوحيد الذي حاول التدخل في قضية فيزيلييه، إذ تحدثت الصحيفة عن مساعٍ قامت بها قطر والإمارات العربية المتحدة، كما أثار الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما الموضوع مباشرة مع الجنرال عاصيمي غويتا في دجنبر 2025.
غير أن السلطات المالية كانت تصر في ذلك الوقت على استكمال المسطرة القضائية قبل النظر في أي حل سياسي، وهو ما جعل الملف يستمر لنحو عام قبل الوصول إلى العفو الرئاسي.
وبذلك، ينهي العفو أزمة استمرت سنة كاملة وشكلت واحداً من أكثر الملفات حساسية بين فرنسا ومالي، في وقت تكشف فيه الوساطة، مرة أخرى، عن موقع المغرب كقناة اتصال قادرة على التحرك بين باريس والأنظمة الجديدة في منطقة الساحل، في ظل تراجع النفوذ الفرنسي التقليدي وتعقد العلاقات السياسية والأمنية في المنطقة.
