“شاشات تسلب العقول”.. التداعيات النفسية لإدمان الألعاب الإلكترونية ومسارات الحماية المجتمعية
لم تعد الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية مجرد وسائل للتواصل أو الترفيه العابر، بل تحولت إلى جزء لا يتجزأ من حياة الأطفال والمراهقين، تلازمهم لساعات طويلة يوميًا. هذا الحضور الكثيف للشاشات أثار مخاوف متزايدة بشأن تأثيراته العميقة على الصحة النفسية والنمو السلوكي، خاصة مع ملاحظة تغيّرات ملحوظة في أنماط التفكير والتفاعل الاجتماعي لدى الأجيال الصغيرة. وبين القلق الأسري والتحذيرات التربوية، بات من الضروري التوقف أمام هذه الظاهرة لفهم أبعادها ووضع حلول تحمي النشء من مخاطر العزلة الرقمية.
يرى الدكتور إبراهيم مجدي، استشاري الطب النفسي، أن الإفراط في ممارسة الألعاب الإلكترونية لا يقتصر على كونه إهدارًا للوقت، بل يمتد ليؤثر بشكل مباشر على وظائف الدماغ. فمع تكرار التعرض لمشاعر الفوز والإثارة، يعتاد المخ على مستويات مرتفعة من “الدوبامين”، ما يجعل الواقع أقل جاذبية، ويخلق فجوة نفسية بين الطفل ومحيطه الاجتماعي.
ويشير إلى أن أعراض الإدمان على الألعاب تتشابه مع الإدمان الكيميائي، حيث يعاني الطفل من القلق والتوتر عند الابتعاد عن الجهاز، وتسيطر عليه أفكار اللعبة بشكل دائم، حتى أثناء الدراسة أو تناول الطعام. هذا النمط يؤدي إلى تراجع القدرة على التركيز، وضعف التحصيل الدراسي، فضلًا عن تدهور المهارات الاجتماعية.
وأضاف، لا تتوقف الخطورة عند حد الإدمان، بل تمتد إلى طبيعة المحتوى الذي يتعرض له الطفل. فالألعاب التي تعتمد على القتال والعنف تسهم في ترسيخ السلوك العدواني، وتجعل مشاهد العنف مألوفة وغير صادمة. ومع التكرار، قد يفقد الطفل حساسيته تجاه مشاعر الآخرين، ويصبح أكثر ميلًا للسلوك الهجومي في الواقع.
كما أن بعض الألعاب تُصمم بآليات ذكية تُبقي المستخدم متصلًا لأطول وقت ممكن، من خلال أنظمة المكافآت والتحفيز المستمر. وتزداد المخاطر مع وجود غرف دردشة تتيح التواصل مع غرباء، ما قد يفتح الباب أمام التنمر الإلكتروني أو الاستقطاب الفكري، وهو ما يستدعي رقابة أسرية واعية تقوم على الفهم والمتابعة لا المنع فقط.
في مواجهة هذه التحديات، وأشار مجدي، إلى أن الدولة المصرية اتخذت خطوات متعددة لتعزيز الوعي الرقمي، من خلال إطلاق مبادرات تستهدف توعية أولياء الأمور، وتفعيل دور المؤسسات التعليمية والدينية في نشر ثقافة الاستخدام الآمن للإنترنت. كما شملت الجهود جوانب تشريعية وتقنية لحجب المحتوى الضار، خاصة الألعاب التي تحرض على العنف أو إيذاء النفس.
ويؤكد استشاري الطب النفسي، أن الحل لا يقتصر على المنع، بل يتطلب توفير بدائل جذابة، مثل تطوير محتوى تعليمي رقمي يجمع بين المتعة والفائدة، وإعادة تفعيل دور المدارس والنوادي في تقديم أنشطة واقعية تُشبع احتياجات الأطفال النفسية والاجتماعية.
