اتجاهاتكتابنا

هند الصنعاني تكتب: نسرق …نقتل…نضرب… مفردات أصبحت متداولة عند الأطفال في اللعب

“سنسرق هذا البنك”… “سنقتل هذا الرجل”… “سأختار هذا السلاح”، لم تكن هذه الكلمات يوما جزءا من عالم الأطفال قديما، كانت مستحيلة على ألسنتهم، الجيل القديم، جيل “ما قبل الشاشات”،  كان يعرف الضحك قبل الغضب، ويجري خلف الكرة لا خلف “نقطة قتل” في لعبة إلكترونية، لكن شيئا ما تغير… تغير ببطء، ثم فجأة، حتى أصبحت الطفولة نفسها مختلفة تماما، وفقدنا براءتها.

في الماضي، كانت الطفولة تعاش… لا تشاهد، كان الأطفال يخرجون إلى الشارع، يلعبون الكرة، يركضون، يسقطون، يتشاجرون ثم يتصالحون بعد دقائق، كانت الضحكة حقيقية، والصداقة تبنى بالعرق والغبار والطين، لا عبر سماعات الرأس، كانوا يتعلمون من اللعب معنى المشاركة، الصبر، الخسارة، والفرح البسيط.

لم تكن هناك “مستويات” ولا “مهمات” ولا “قتل ولا عنف”… بل كانت هناك حكايات، وذكريات، ومواقف تصنع كل يوم، الطفل كان يعود إلى بيته متعبا جسديا، لكنه ممتلئ نفسيا.

أما اليوم، فقد تغير المشهد بالكامل، الطفل يجلس لساعات طويلة فاقد الإدراك بالعالم الخارجي، أمام شاشة صغيرة، يعيش في عالم افتراضي مليء بالعنف والألفاظ البذيئة، ألعاب بعيدة عن مبادئنا، عن ديننا وعن ثوايتنا، حيث القتل إنجاز، والتدمير مكافأة، والفوز مرتبط بإقصاء الآخر، لم يعد يرى الألم الحقيقي، ولا يفهم تبعات العنف، لأن كل شيء يمكن “إعادته” بضغطة زر.

الأخطر من ذلك، أن هذه الألعاب لا تسرق الوقت فقط… بل تعيد تشكيل الوعي، تجعل الطفل أكثر عصبية، أقل تركيزا، أقل صبرا، وأحيانا أكثر قسوة في تعامله مع من حوله، كلمات لم يكن ينطق بها، أصبحت عادية، أسلوب الحوار تغير، ونبرة الصوت أصبحت أكثر حدة، حتى مع الوالدين والمعلمين.

ثم تأتي العزلة…فالطفل اليوم يجلس بين أسرته، لكنه ليس معهم، ذهنه في معركة، أو سباق، أو مهمة افتراضية، لم يعد يشعر بالانتماء لنفس المساحة التي يعيش فيها، تقل مهاراته الاجتماعية، وتضعف قدرته على التعبير عن مشاعره بشكل صحي.

ومع ذلك، لا يمكن أن نُلقي اللوم كله على الألعاب، المشكلة أعمق، في غياب البديل، في انشغال الأهل، في الشارع الذي لم يعد آمنا، وفي عالم أصبح سريعا لدرجة أن الطفل لم يعد يجد وقتا ليكون “طفلًا” كما كان من قبل، لا يمكننا أن نحاكم الألعاب الإلكترونية فهي بالتأكيد ليست شرا مطلقا، لكنها حين تسيطر، تفرغ الطفل من إنسانيته ومبادئه تدريجيا، نحن لا نحتاج أن نمنع التكنولوجيا، بل أن نعيد التوازن، أن نعيد للطفل حقه في اللعب الحقيقي، في الضحك الحقيقي، في الحياة الحقيقية، لأن الفرق بين طفل الأمس وطفل اليوم، ليس فقط في طريقة اللعب، بل في طريقة الشعور، والتفكير، والإنسانية نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *