خمس سنوات من الممارسة لمبادرة التنمية العالمية تجسد القوة الواقعية للتنمية المشتركة
بقلم الإعلامي الصيني / نور يانغ
قبل خمس سنوات، طرحت مبادرة التنمية العالمية في وقت كانت فيه مسيرة التنمية العالمية تواجه انتكاسات خطيرة. واليوم، لم تتراجع الحاجة الملحة إلى معالجة قضايا التنمية، بل أصبحت أكثر بروزا.
فاستمرار النزاعات، وتصاعد أعباء الديون، وتفاقم المخاطر المناخية، وانكماش تمويل التنمية، كلها عوامل تقوض المكاسب التنموية التي راكمتها دول عديدة على مدى سنوات. ويظهر أحدث تقييم للأمم المتحدة أنه من بين 139 غاية محددة من أهداف التنمية المستدامة تتوافر بشأنها بيانات عن اتجاهات التقدم، لا يسير على المسار الصحيح أو يحقق تقدما متوسطا سوى 36 بالمئة منها، فيما يتقدم نحو نصفها بوتيرة أبطأ من المطلوب، بل إن 15 بالمئة منها تراجعت إلى مستويات أدنى من خط الأساس المسجل عام 2015.
والعالم لا يفتقر إلى الأهداف التنموية، وإنما يفتقر بدرجة أكبر إلى القدرة على تحويل هذه الأهداف بصورة مستمرة إلى أفعال، وترجمة التوافقات فعليا إلى نتائج. وفي ظل هذه المعضلة الواقعية تحديدا، تكتسب الذكرى الخامسة لطرح مبادرة التنمية العالمية دلالة تتجاوز مجرد إحياء المناسبة.
وفي 21 سبتمبر 2021، وفي مواجهة التداعيات الشديدة على الاقتصاد العالمي، واتساع فجوة التنمية بين الشمال والجنوب، وتعثر تنفيذ أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030، طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ مبادرة التنمية العالمية خلال المناقشة العامة للدورة السادسة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، داعيا إلى التمسك بأولوية التنمية، ووضع الإنسان في المقام الأول، وتحقيق المنفعة للجميع والشمول، والدفع بالابتكار، وتحقيق التعايش المتناغم بين الإنسان والطبيعة، والالتزام بالتوجه نحو العمل. ولم يكن السؤال الأول الذي سعت المبادرة إلى الإجابة عنه هو “من الذي يحقق التنمية؟”، بل “أي مكانة ينبغي أن تحتلها التنمية؟”. فعندما تضيق هواجس الأمن والمنافسة الجيوسياسية والحسابات السياسية قصيرة الأجل باستمرار مساحة التعاون الدولي، لا يجوز تهميش التنمية، ولا أن تصبح حقا لا تتوافر شروط التمتع به إلا لعدد محدود من الدول.
إن قدرة أي مبادرة دولية على الاستمرار تتوقف في نهاية المطاف على قدرتها على تجاوز العتبة الفاصلة بين الفكرة والتنفيذ.
وفي عام 2022، أعلن الحوار رفيع المستوى بشأن التنمية العالمية عن 32 إجراء عمليا تغطي مجالات الحد من الفقر، والأمن الغذائي، ومكافحة الجائحة واللقاحات، وتمويل التنمية، والتنمية الخضراء، والتصنيع، والاقتصاد الرقمي، والترابط في العصر الرقمي وغيرها. كما أصبح “صندوق التنمية العالمية والتعاون بين بلدان الجنوب”، و”مركز تعزيز التنمية العالمية”، و”شبكة المعرفة للتنمية العالمية” وغيرها منصات عملية لتنفيذ المبادرة، في حين واصلت “مجموعة أصدقاء مبادرة التنمية العالمية” وآليات التعاون مع مؤسسات التنمية التابعة للأمم المتحدة توسيع نطاقها. وهكذا، اكتسبت المبادرة تدريجيا دعما في مجالات التمويل والمشروعات والشراكات والمعرفة، وبدأت تتشكل سلسلة متكاملة لتحويل التوافق السياسي إلى تعاون عملي.
وتستند عملية التحول هذه إلى منطق متزايد الوضوح في تشغيل المشروعات. ويلتزم مجمع مشاريع التنمية العالمية بمبادئ المشاركة الطوعية، والبناء المشترك بين أطراف متعددة، وابتكار أساليب التعاون، والانفتاح والشفافية. فمن خلال مجموعة احتضان المشروعات، يتم توجيه الموارد المتعلقة بالسياسات والتمويل والمواد والتكنولوجيا لدفع تنفيذ المشروعات، ثم تعرض نتائج التنفيذ عبر مجموعة المشروعات المنجزة، مع إخضاع المشروعات المدرجة لإدارة تغطي دورة حياتها بالكامل.
ويستهدف هذا النظام معالجة معضلة شائعة في التعاون الإنمائي الدولي: كيف تلتقي الأهداف الكبرى مع الاحتياجات المحددة؟ وكيف تصل الموارد بدقة إلى المشروعات المناسبة؟ وكيف يمكن أن يستمر تأثير المشروع بعد إنجازه؟ وبذلك، لم يعد التعاون الإنمائي يقتصر على الإجابة عن سؤال “ماذا نطرح؟”، بل أصبح يتقدم نحو الإجابة عن سؤال “كيف نحوله فعليا إلى نتائج؟”
وقد اكتسبت هذه الممارسات المتواصلة نطاقا ملموسا يمكن قياسه. ففي الوقت الراهن، يدعم أكثر من 130 دولة ومنظمة دولية مبادرة التنمية العالمية وتشارك في التعاون في إطارها، ووقع ما يقرب من 100 دولة ومنظمة دولية وإقليمية وثائق تعاون مع الصين، كما اتسعت “مجموعة أصدقاء مبادرة التنمية العالمية” لتضم 88 دولة، وانضمت أكثر من 20 مؤسسة إنمائية إلى فريق عمل الأمم المتحدة المعني بدفع تنفيذ المبادرة، فيما بادرت الصين إلى إنشاء أكثر من 30 آلية ومنصة للتعاون. وقد حشدت الصناديق والآليات ذات الصلة أكثر من 23 مليار دولار، ونفذت أكثر من 1800 مشروع تعاون، ودربت أكثر من 200 ألف شخص من مختلف التخصصات، ووصلت ثمار هذه الجهود إلى أكثر من 120 دولة. غير أن ما يستحق التأمل وراء هذه الأرقام هو الكيفية التي تستطيع بها مبادرة دولية، من خلال آليات تعاون مستقرة، ربط الاحتياجات التنموية المتفرقة تدريجيا وتحويلها إلى قوة مشتركة.
كما يشهد مضمون التعاون نفسه تحولا متواصلا. فتساعد تكنولوجيا “جونتساو” بعض الدول على تحويل مواردها الزراعية إلى قدرة على زيادة الدخل، ويتيح القمر الصناعي العلمي للتنمية المستدامة بياناته لمختلف الأطراف، بينما تسهم منصة “ماتسو” في تعزيز قدرات الإنذار المبكر بالأحوال الجوية والوقاية من الكوارث والحد من آثارها، في حين تعمل برامج تدريبية واسعة النطاق على نقل التطبيقات التكنولوجية إلى الكفاءات المحلية. وإنجاز مشروع ما لا يعني بالضرورة بناء قدرة تنموية مستدامة؛ فالتعاون الذي يحمل قيمة طويلة الأجل يتطلب أيضا أن تبقى التكنولوجيا، وأن تنمو الكفاءات البشرية، وأن تتحول الخبرات إلى قدرات محلية. ومن هنا، تولي مبادرة التنمية العالمية اهتماما متزايدا لتقاسم التكنولوجيا، وتنمية المواهب، وبناء القدرات، بما يستجيب لمشكلة واقعية طالما واجهت الدول النامية، وهي “كيف يمكن تحويل التعاون الخارجي إلى قوة دفع داخلية للتنمية؟”
وهذا يفسر أيضا سبب اتساع نطاق المشاركة في المبادرة. فهي لم تسع إلى إنشاء إطار منفصل ليحل محل أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030، بل عملت على مواءمة أولويات التعاون مع أهداف الأمم المتحدة. كما أنها لم تطلب من الدول المختلفة استنساخ نموذج تنموي واحد، وإنما ترجمت الأهداف المشتركة إلى مجالات ملموسة مثل الحد من الفقر، والزراعة، والتعليم، والصحة، والتحول الأخضر، والقدرات الرقمية، بما يتيح لكل طرف اختيار مجالات التعاون وفقا لمرحلة تنميته واحتياجاته الفعلية. ومن ثم، فإن التنمية المشتركة لا تعني توحيد مسارات التنمية، وإنما تعني العمل على تمكين مزيد من الدول من امتلاك فرصة اختيار مسارها، وتحسين ظروفها، وتعزيز قدراتها.
واليوم، تواجه فلسفة التعاون هذه اختبارات واقعية أشد صعوبة. ووفقا لبيانات الأمم المتحدة، انخفضت المساعدة الإنمائية الرسمية في عام 2025 بنسبة 23.1 بالمئة، مسجلة أكبر تراجع سنوي منذ بدء تسجيل هذه البيانات، فيما ارتفع الدين الخارجي للدول النامية إلى 8.9 تريليون دولار، وبلغت تكاليف خدمة الديون مستويات تاريخية مرتفعة. وبالنسبة إلى العديد من دول الجنوب العالمي، لم تعد تحديات التنمية تقتصر على نقص التمويل، بل تشمل أيضا ارتفاع تكاليفه، واتساع الفجوة التكنولوجية، وتزايد الهشاشة أمام تغير المناخ، وعدم اليقين في الأسواق الخارجية. ولا يستطيع مصدر واحد للمساعدات تلبية هذه الاحتياجات المعقدة، كما لا تستطيع أي دولة بمفردها معالجة تحديات التنمية المتشابكة. وما يحتاج إليه العالم فعليا هو شراكة عالمية من أجل التنمية تتسم بمزيد من الاستقرار والتنوع والاستمرارية على المدى الطويل.
ومن هذا المنظور، لا يمكن قياس أهمية مبادرة التنمية العالمية بعدد المشروعات وحده. فقيمتها الأعمق تكمن في أنها تواصل دفع التنمية إلى صدارة التعاون الدولي، وتحاول الإجابة عن سؤال جوهري يفرض نفسه مع دخول العولمة مرحلة من التحولات العميقة: عندما تتوزع الموارد والتكنولوجيا والفرص بصورة غير متكافئة بين الدول، فهل يؤدي التعاون الدولي إلى ترسيخ الفجوات القائمة، أم يساعد عددا أكبر من الدول على تهيئة الظروف اللازمة لتحقيق التنمية المستقلة؟ إن أهمية الحد من الفقر، والأمن الغذائي، والصحة العامة، والتحول الأخضر، والقدرات الرقمية، والتصنيع لا تنبع فقط من ارتباطها بمجموعة من مؤشرات التنمية المستدامة، بل لأن هذه المجالات تحدد بصورة مباشرة ما إذا كانت دولة ما قادرة على الإمساك بزمام تنميتها بيدها.
إن كيفية صياغة أجندة التنمية العالمية في المستقبل ستختبر في نهاية المطاف قدرة المجتمع الدولي على تحويل التوافق القيمي بشأن التنمية المشتركة إلى توزيع أكثر عدالة للموارد وآليات تعاون أكثر فاعلية. ولا ينبغي أن يتحول الحق في التنمية إلى عتبة تضعها الدول التي سبقت غيرها إلى التحديث أمام الدول اللاحقة، بل يجب أن يكون حقا تستطيع شعوب جميع الدول السعي إليه على قدم المساواة. كما لا يمكن بناء عالم أكثر استقرارا على فجوات تتسع باستمرار في الثروة والتكنولوجيا والتنمية. وتكمن الدلالة الواقعية التي تقدمها مبادرة التنمية العالمية في إثبات قابلية منطق آخر للتعاون الدولي للتطبيق: فمن الممكن للدول، مع الحفاظ على مساراتها التنموية وخياراتها المستقلة، أن توسع مصالحها المشتركة عبر التعاون المنفتح، وأن تعزز استدامة التنمية من خلال بناء القدرات، وأن تجعل فرص التحديث متاحة لعدد أكبر من الدول والشعوب عبر العمل متعدد الأطراف. أما قدرة العالم على التوجه نحو سلام وازدهار أكثر استدامة، فتتوقف في جوهرها على ما إذا كانت التنمية ستصبح حقا مشتركا، وأساسا للتعاون، ومصلحة عامة تصونها الحوكمة العالمية بصورة مشتركة.
