اتجاهاتمقالات

البكالوريا أو الثانوية العامة… حين تتحول السنة الدراسية إلى كابوس يهدد حياة ومستقبل الطلاب

هند الصنعاني

في كل عام، ومع اقتراب امتحانات السنة الثالثة الثانوية، أو ما يعرف بامتحان البكالوريا، يدخل آلاف الطلاب وأسرهم في حالة من التوتر والقلق قد تستمر لأشهر طويلة، سنة واحدة فقط أصبحت قادرة على تحديد مصير الطالب ومستقبله الأكاديمي والمهني، حتى باتت توصف لدى كثيرين بأنها “السنة الكبيسة” التي تختزل سنوات من الدراسة والجهد في بضعة أيام من الامتحانات.

لم تعد البكالوريا مجرد محطة تعليمية عادية، بل تحولت إلى هاجس يطارد الطلاب وأولياء الأمور على حد سواء، فالحديث داخل المنازل لم يعد يدور حول التعلم واكتساب المعرفة، بل حول الدرجات والنسب المئوية والترتيب واختيار الكلية المناسبة، ومع ازدياد الضغوط، أصبح كثير من الطلاب يعيشون حالة من الخوف الدائم من الفشل أوعدم تحقيق المعدل المطلوب.

يطرح هذا الواقع سؤالًا مهما: من المسؤول عن هذه الأزمة؟! هل الأسرة التي تضع على أبنائها توقعات تفوق قدراتهم أحيانا؟! أم وزارة التربية والتعليم التي ما زالت تربط مستقبل الطالب بنتيجة امتحان واحد؟! أم أن المجتمع نفسه ساهم في صناعة هذه الضغوط من خلال تصنيف الكليات إلى “كليات قمة” وأخرى أقل قيمة؟!

في العديد من الدول الغربية لا وجود لمصطلح “كليات القمة”، إذ تنظر إلى التخصصات المختلفة باعتبارها مكملة لبعضها البعض، ولكل منها دورها في خدمة المجتمع، أما في مجتمعاتنا، فقد ارتبط النجاح بدخول عدد محدود من الكليات، ما خلق شعورا لدى الطلاب بأن مستقبلهم قد انتهى إذا لم يتمكنوا من الالتحاق بها.

المفارقة أن أجيالا سابقة اجتازت امتحانات البكالوريا دون هذا القدر من التوتر، صحيح أن الامتحان كان مهما، لكنه لم يكن يتحكم في تفاصيل الحياة اليومية للأسرة بأكملها، أما اليوم، فقد ساهمت الدروس الخصوصية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والمقارنات المستمرة بين الطلاب، في مضاعفة الضغوط النفسية.

من أخطر الآثار السلبية للضغوط النفسية والاجتماعية المرتبطة بامتحانات البكالوريا، لجوء بعض الطلاب إلى الغش باعتباره طوق نجاة للهروب من شبح الفشل أو خيبة أمل الأسرة والمجتمع، فعندما يُختزل مستقبل الطالب في رقم أو مجموع، ويشعر بأن مستقبله كله على المحك، قد يندفع إلى البحث عن أي وسيلة تضمن له النجاح، حتى وإن كانت على حساب النزاهة والقيم الأخلاقية، كما تؤدي هذه الثقافة إلى ترسيخ فكرة أن النتيجة أهم من التعلم نفسه، وهو ما ينعكس سلبا على شخصية الطالب وثقته بنفسه، لذلك، فإن مواجهة ظاهرة الغش لا تقتصر على تشديد الرقابة داخل لجان الامتحانات، بل تبدأ بتخفيف الضغوط عن الطلاب، وتعزيز ثقافة الاجتهاد وتقبل الفشل باعتباره تجربة يمكن تجاوزها، مع التأكيد على أن قيمة الإنسان لا تُقاس بمجموعه الدراسي وحده، بل بقدراته ومهاراته وأخلاقه وإصراره على النجاح.

لذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة النظر في فلسفة التعليم والتقييم، والانتقال من ثقافة الامتحان المصيري إلى ثقافة بناء المهارات والقدرات، فالمجتمعات لا تبنى بالأطباء والمهندسين فقط، بل تحتاج إلى معلمين وفنانين وتقنيين وباحثين وإعلاميين ومهنيين في مختلف المجالات، وعندما ندرك أن لكل تخصص قيمته وأهميته، ربما تتوقف البكالوريا عن كونها كابوسا سنويا، وتعود إلى دورها الطبيعي كمحطة تعليمية مهمة، لا كحكم نهائي على مستقبل الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *